|
حكومة أردوغان تصفير المشاكل في الخارج، وتكويمها في الداخل 24. 12. 2009 بات الكثيرون يرددون في الداخل التركي تساؤلات عن غاية الحكومة التركية في تأجيج الصراعات الداخلية في حين أنها تقوم بكل ما يمكنها، حتى وإن كان محظورا على المستوى القومي، من أجل تصفير المشاكل مع جيرانها. فهل تسعى حكومة أردوغان الى خلق بعبع داخلي للتلويح به بوجه المعارضين لها في الداخل والمستائين منها في الخارج؟ قد تكون كثرة الأعباء والمجهود هي التي جعلت نبرة صوته متشنجة كما يصفها الكثير من المراقبين للشأن التركي، حتى أن بعضهم شبهه بالخطباء السلفيين ممن يحملون السيوف على المنابر ويطلقون اللعنات شرقا وغربا، أثناء إلقائه للخطب في مجلس الأمة التركي. ولكن هذا كله لا يعني أن بإستطاعة أحد يبخس الرجل حقه في النجاحات التي حققها على المستوى الإقتصادي والسياسي منذ عام 2002، فما حققته العدالة والتنمية على المستوى الإقتصادي كان قبل تسلمها الحكم ضرباً من الأحلام، هذه حقيقة، ولكن الحقيقة تشير أيضاً الى أن الإقتصاد ومهما كان مهما لتركيا ولكنها لم تكن التحدي الأكبر، فهذا التحدي يكمن في محاولات جادة من الخارج والداخل لتقسيم الجمهورية، وفرض واقع جديد على الأمة التركية غير الذي فرضته الإرادة الجبارة لهذا الشعب أثناء وبعد إنتهاء العمليات العسكرية في الحرب العالمية الأولى، وصنعت معجزة في تاريخ الحروب، ففرضت وهي المنهزمة في الحرب شروطها على المنتصرين، وأستطاعت أن تنتشل وتبني دولة حديثة من رماد الحرب العالمية الأولى ومن براثن قوى الإمبريالية العالمية وذيولها الكثيرة في المنطقة وفي الداخل.. لذلك كان نجاح العدالة والتنمية عظيما بكل المقاييس، ولكنه يبقى أعرجا مادام يرى التحدي في الإقتصاد، وحتى سياسة تصفير المشاكل مع الجوار إنما كانت غايتها الأساس إقتصادية لخلق منطقة أكثر أمناً لخطوط نقل الطاقة.. لقد عملت النحلة بجد ولكنها بدأت تأكل مما خزنت مبكرا جدا. الداخل التركي ليس على مايرام، الحكومة تناصب المعارضة والجيش العداء، مفكرون، أدباء، صحفيون، قادة وجنرالات لهم تاريخهم في خدمة الجمهورية يتم إستدعائهم والتحقيق معهم وكأنهم مجرمون.. هكذا يجيب أنصار العلمانية في الداخل التركي حين يتم سؤالهم عن أي شيء يخص الحكومة. قد تكون حالة العداء المعلن والتراشق بالعبارات وحتى التخوين تحت قبة البرلمان بين الحزب الحاكم والاحزاب المعارضة أموراً معروفة في الساحة السياسية التركية، ولكن أن تتهم الحكومة بمناصبة العداء للمؤسسة العسكرية أمر جديد لا سابقة له في تاريخ الجمهورية.. المحافظات ذات الغالبية الكردية في حالة من عدم الإستقرار، والحكومة لا تعرف مالذي يريده مواطنيها من الأكراد بالضبط! إنها ترى المشكلة من منظار إقتصادي، يعني إذا تمكنت من رفع المستوى المعاشي والتعليمي في المناطق ذات الغالبية الكردية فسينتهي الأمر وسينبذ الأكراد حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله اوجلان.. بهذه البساطة لا تتصور الحكومة التركية أنها تضع نهاية للصراع مع القوى الإنفصالية، ولكنها تسلب الحجج من مثيري التطرف في المناطق ذات الغالبية الكردية، وتهيء المناخ لعزل العمال الكردستاني والمنظمات التي تؤيده في الداخل مثلما هي على وشك عزله نهائيا في الخارج وخاصة في شمال العراق حيث الإدارة الذاتية لأكراد العراق.. ولكن هذه هي الصورة المستقبلية فيما يخص المشكلة الكردية في تركيا، وهي رغم أهميتها مشكلة الى جانب مشاكل أخرى قد لاتقل عنها أهمية.. والسؤال الذي يراود من يتابعون الوضع التركي هو أنه مادام الداخل على هذا الحال، فما معنى أن تحشد الحكومة كل طاقات الدولة من أجل تصفير المشاكل مع جيرانها! ومن هم جيرانها، سوريا التي صنعت حزب العمال الكردستاني وإحتضنته حتى الأمس القريب، والتي لا يهمها من مجلس التعاون الإستراتيجي عالي المستوى مع تركيا، غير أن تكسر الطوق الغربي والعربي المضروب عليها سياسيا وإقتصاديا، ومالذي تخسره سوريا من هذا اللهاث التركي وراء توطيد العلاقة معها الى هذا المستوى الغريب والغير متكافئ؟ وهي بالمقابل لم تعطي غير إيقافها لبث المسلسلات التحقيرية بحق العثمانيين الذين يفتخر بهم السيد أردوغان بمناسبة وغير مناسبة! من هم جيرانها، إيران التي تريد أن تجعل من تركيا حصان طروادة لها في العمق الغربي! وهي تسابق الزمن من أجل الحصول على القنبلة النووية، وبعدها سترى حكومة العدالة والتنمية الوجه الحقيقي للجمهورية الإسلامية، وعن سياسة التقية، التي تمارسها على المستوى الإقليمي والدولي بشكل يفوق كل التصورات. العمق الإستراتيجي، هو عنوان الكتاب الذي ألفه البروفيسور أحمد داوود أوغلوا، ويعتبره الكثيرون المرجع الأساسي لحكومة أردوغان في السياسة الخارجية، ووجود داوود أغلوا اليوم على رأس الخارجية التركية تأكيد لتلك الإدعاءات.. مهما كان الرجل بارعا في ما ذهب اليه في كتابه المعتبر، إلا أن شرق أوسط جديد متكون من العرب والترك والفرس والكرد كما تنبئ به أثناء زيارته الى إقليم كردستان، لا يمكن بناءه أو تحقيقه من خلال إضعاف الروح المعنوية للجيش التركي، هذا الجيش الذي تميز عبر تاريخه الحديث بأنه الجيش الوحيد في الشرق الأوسط إن لم يكن في العالم يضع حماية الدستور والنظام العلماني ضمن أهم أهدافه وواجباته، بعد حماية حدود الجمهورية التركية. فتركيا أمة قامت على الحروب كما يصفها معمر القذافي، ويبقى الجيش في قمة المعاني التي تشكل كامل الذاكرة الإجتماعية والتاريخية للشعب التركي، لذلك كان على حكومة العدالة والتنمية أن تكون أكثر حكمة في التعامل مع هذه المؤسسة التي عمر وجودها في النسيج الإجتماعي التركي يتعدى الألف سنة، وأن تسعى لتصفير مشاكلها مع المعارضة والجيش والنخب الثقافية والفكرية بنفس حماسها لتصفير مشاكلها مع جيرانها الذين تبقى الصداقة والعداوة معهم رهنا بأمور هي خارج سيطرة تركيا. لا يسمح بالنقل أو الإقتباس دون ذكر المصدر |