في ذكرى إستشهاد الزعيم عبدالله عبدالرحمن ورفاقه

 

16. 01. 2009

 

في مثل هذا اليوم، السادس عشر من كانون الثاني من عام 1980 إرتقت على مشانق الحقد البعثي أجساد أربعة من خيرة رجالات التركمان في العراق، إرتقت أجسادهم وأرواحهم عالياً، ليبقى أعدائهم تحت أقدامهم الى يوم يبعثون.

الزعيم عبدالله عبدالرحمن، الدكتور نجدت قوجاق، الدكتور رضا دميرجي، وعادل شريف.

جريمة إعدام هؤلاء القادة لم تكن عملية عبثية أو إنتقاءاً عشوائياً كما كان ديدن النظام البعثي الفاشي في تلك الفترة. فالأمر كان ولايزال يختلف عند التعامل مع التركمان.. بل كانت جزءاً من عملية محسوبة ومرسومة بدقة، تهدف الى فرض السياسة الهمجية نفسها على التركمان "البقاء للأضعف".

فقبل ذلك التاريخ بحوالي 21 عاماً فُجع التركمان بجريمة مشابهة من حيث الهدف، حين أقدمت مرتزقة الحزب الشيوعي العراقي، والمتحالفة مع القومجية من الاكراد في 14 تموز من عام 1959 الى فرض الهمجية ذاتها على التركمان في كركوك وأطرافها، فقتلوا خيرة التركمان في ذلك العهد، العقيد عطا خيرالله ورفاقه، ومثّلوا بجثثهم بوحشية لا زالت ماثلة في الذاكرة الجمعية للتركمان.

"البقاء للأضعف" هذا ما أرادوه في الأمس ويريدونه منا اليوم..

وبعد ذلك التاريخ بحوالي 23 عاماً حاولت بيشمركة الإتحاد الوطني الكردستاني فرض نفس السياسة على التركمان، حين أقدمت على إحتلال المناطق التركمانية، وفتحت النار على التظاهرات السلمية للتركمان عام 2003 في أعقاب الإحتلال الأمريكي للعراق.

وبين تلك التواريخ مورست ضد التركمان أبشع عمليات الصهر القومي الممنهجة، وتسقيط الشخصية التركمانية، ومحو كل ما يدل على تاريخها وهويتها، حتى أسماء المدن والقرى والقصبات التركمانية أبدلوها بأسماء عروبية ذات دلالات عنصرية، في تحد سافر للتاريخ والحقيقة.

تغير النظام في عام 2003، وتبدلت الأدوار ولكن العملية إستمرت، ولا تغير يذكر في شدتها وتصميمها على فرض السياسة القديمة ذاتها. فكركوك أصبحت تسمى (آزادي) وجسر الطبقجلي فيها يسمى (خبات) وأربيل تسمى (هولير) والتون كوبري (بردى) ونهر آقصو يسمى (آوه سپي) والقائمة لا تنتهي حتى يتم القضاء على كل ما له إرتباط بالتاريخ التركماني وتراثه.

ولكي نتعلم من دروس التاريخ ما ينفعنا لحاضرنا ومستقبلنا، ومن تضحيات شهدائنا ما نتخذها نجوماً نستدل بها على الطريق القويم، علينا أن نعي جيداً بأن الدلالة الواضحة لإقدام النظام البعثي على إعدام المناضلين الأربعة، تكمن في حقيقة أن وجودهم كان يشكل مصدر قوة وإلهام للتركمان في تلك الفترة، وبما أن بقاء التركماني مقترن بضعفه حسب المنهج الذي سار ويسير عليه الاعداء، تم التخلص منهم. فهل كان الشهداء الاربعة هم الوحيدين من التركمان ممن كان لهم رأي سياسي في تلك الفترة ياترى؟ بالطبع لا، ولكن أعداء التركمان لايهتمون كثيراً بمن لديهم رأي سياسي مادام صاحب الرأي ضعيفاً ولا يمتلك الإرادة ليتغلب على ضعفه.

كان يمكن لنجدت قوجاق أن يكون بيننا اليوم، كان يمكن لرضا دميرجي أن يكون بيننا اليوم، وكذلك بقية الشهداء، إن هم رضخوا لمبدء الضعف، وآثروا البقاء على الخلود..

ما أحوجنا اليوم ايها الأخوة لنكتشف سر القوة والثبات الذي إتسم به أولئك الرجال. ما أحوجنا لنتعرف عليهم من جديد ونستلهم من إرادتهم ما يعيننا على تجاوز مرحلة الوهن الذي تعيشه أمتنا اليوم. هل كان سر قوتهم وإخلاصهم في إنتمائهم الى حزب ما أو تنظيم سياسي؟ لا هذا ولا ذاك. كان السر يكمن في صدق إيمانهم بالقضية التركمانية العادلة، وإرادتهم الحديدية على رفض الخضوع.

لقد كانت فترة الثمانينات مثل سابقاتها فترة نقاء في الشعور والإنتماء الى العمل القومي، فترة أحب أن اسميها بـ (ما قبل التحزبات)، فتلك العقود ورغم ماساويتها فقد شهدت أروع صور النضال القومي، فلا مكان فيها للدسائس، ولا فرصة فيها لضعاف النفوس ليندسوا تحت خيمة القضية العادلة، فالأهداف كانت واضحة والاعداء واضحون وكذلك الخونة والعملاء.. كل ذلك الفرز الدقيق للبيئة السياسية المحيطة كان نتاج جهد جماعي، ودون وجود حزب سياسي، أو توجيه مركزي. كان الفرد التركماني الاصيل ممثلاً لشعبه وقوميته وقضيته، ونائباً عنهم دون تخويل أو تصريح. وأود أن أذكر هنا ما أورده المناضل التركماني الأستاذ عزيز قادر صمانجي في الفصل الرابع من كتابه الموسوم بـ "التاريخ السياسي لتركمان العراق"، حيث يتحدث صمانجي عن الفترة المعروفة في التاريخ العراقي الحديث بعهد العارفين (عبدالسلام عارف، وعبدالرحمن عارف)، حيث إتسمت تلك المرحلة بمبادرات من الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى البرزاني لتطبيع العلاقات بين الأكراد والتركمان.. وتحت عنوان جانبي "محاولة مع المؤلف" يورد عزيز صمانجي ما يلي:

" والجدير بالذكر على صعيد تلك المساعي، أن اتصالاً مماثلاً جرى معي (المؤلف) في عام 1967: عندما كنت ضابط ركن في مقر اللواء الثالث في أربيل، وكانت هناك هدنة ووقف اطلاق نار بين الحكومة وملا مصطفى البرزاني، وأن ممثلي البرزاني كلاً من المقدم نافذ جلال، والسيد محسن ديزه ئي .....، كانا يحضران الى مقر اللواء لأرسال واستلام البرقيات من والى مقر قيادة البرزاني في (كلالة) و (حاجي عمران)، بواسطة المواصلات اللاسلكية التابعة الى مقر اللواء...... فمن خلال ترددهما على مقر اللواء وزيارتهما لي في مكتبي، دار الحديث بيننا حول المشكلة الكردية وحقوق القوميات...... لقد قلت لهما بأختصار {ان وجهاء التركمان الذين قابلهم السيد البرزاني كانوا صادقين في ردهم السلبي، لا لأنهم لا يمثلون سوى انفسهم فحسب، وانما لعدم استطاعة اي منهم الخروج على الراي العام الذي يسود الاوساط التركمانية والذي كان يميل الى اتخاذ موقف الحياد من القضية الكردية.....} "

نعم أيها الأخوة، هكذا كان التركمان في تلك العقود التي نتوهم أحياناً ونسميها بفترة الضعف التنظيمي، كانوا كالجسد الواحد، حين تلمس أي عضو فيه تتحسس بقية الاعضاء بلا إرادة منها أو تخطيط، لتقوم بما يجب عليها القيام به دون ترغيب أو تنظيم أو تحزب. هذا هو أهم درس نستلهمه من ذكرى إستشهاد المناضلين الاربعة.

نسأل الله تعالى أن يسكن شهداء مسيرتنا القومية العادلة جنات الخلد، وأن يوفقنا جميعاً للسير على خطاهم.. آمين.

لا يسمح بالنقل أو الإقتباس دون ذكر المصدر

العودة الى الرئيسية

 

 

 

 

TURKMENTIMES.NET© 2011 • جميع الحقوق محفوظة