|
ذوي الأردية الزرقاء
(الجيل الأول)
08. 07. 2009
كلمة لا بد منها:
مسودة هذه الدراما المسرحية بقيت في قسم الملفات الخاص بحاسوبي الشخصي مدة سنتين تقريباً، أمر عليها بين الحين والآخر أعيش في أجوائها، أضيف اليها ما أضيف ثم أتركها، لأعود إليها في وقت آخر، وهكذا.. ولكن تفاصيلها وشخوصها لم تفارق مخيلتي يوماً، وحتى الآن. كتابة نص أدبي يوثق (ولو توثيقاً درامياً) لحدث بحجم مجزرة 14 تموز 1959، تلك الفاصة الكبرى في تاريخ تركمان العراق الحديث، لا يمكن أن يكون منطلقها عقدة الإستسهال، أو الكتابة من أجل الكتابة، وهي من الخطورة بمكان بحيث لا تترك فرصة للباحثين عن نجاح أدبي على حساب التاريخ وآلام الشعوب أن يدنو من ساحتها.. لأن النقد والتجريح وحتى الرفض، لن يقتصر هنا على النقاد بل يتجاوزهم الى الكثير ممن يرون الحدث جزءاً من تاريخهم، إن في موقع المتهم أو الضحية..
ليس لديّ ما أقوله عن القيمة الأدبية لهذا النص، فالأمر متروك مثل أي نص آخر للنقد وفرسانه، ولكنني أرى من الواجب أن أوضح شيئاً فيما يخص الجانب التوثيقي منه، حتى لا يكون هناك إلتباس على الأخوة الذين عايشوا الحدث، أو كانوا قريبين منه زماناً ومكاناً.. لقد إعتمدت في التوثيق التاريخي للنص، الأماكن والتواريخ وأسماء الشخصيات الحقيقية وتفاصيل المجزرة، وبشكل شبه كلي على ما وثقه الكاتب والباحث أرشد الهرمزي عن المجزرة بعنوان (مجزرة كركوك 1959 الحقيقة والحدث) في الفصل السادس من كتابه الموسوم (حقيقة الوجود التركماني في العراقي) والذي نشرتُ نصّه (الفصل السادس) في موقع صحيفة تركمن تايمز عندما كنت أتولى رئاسة تحريرها.. فكل حدث، تاريخ، إسم مكان أو إسم شخص، ورد في النص ويتطابق مع ما ورد في توثيق الهرمزي فهو توثيق تاريخي، وما عدا ذلك، فهو إستقراء للحظة التاريخية، يقع ضمن السياق الفني لبنية النص..
شيء آخر يخص عنوان النص (ذوي الأردية الزرقاء)، وهو مقتبس من مقالة لنفس الكاتب (أرشد الهرمزي) بعنوان (في ذكرى الشهيد نجدت قوجاق، ذوي الأردية الزرقاء).. حيث يذكر الهرمزي ما نصه: "وقد جرى بيننا (نجدت قوجاق وأرشد الهرمزي) حديث لم يسبق أن صرحت به لأحد، فقد كنا في خضم حوار فكري ممتع عندما ابتسم وقال لي: أريدك أن تكتب كتابا اخترت اسمه بالفعل، فليكن ذوي الأردية الزرقاء.".. كانت هذه الكلمات التي نقلها الهرمزي عن الشهيد الخالد نجدت قوجاق، تحمل في طياتها نوعاً من التحريض على الكتابة، والتحريض على الكتابة تعني بالضرورة تحريضاً على القراءة والتفكير، فليست هناك كتابة ذات قيمة إن لم تسبقها قراءة وتفكير.. والشهيد الخالد قوجاق وكأي معلم ومرشد يعرف أقصر الطرق وأحسنها لتحريك الفضيلة في نفس الإنسان، لم يحرض الهرمزي الذي أراد من خلاله تحريض الأمة، لم يحرضه على القراءة أو التفكير، وذلك يقع ضمن آداب المخاطبة وأخلاقيات الإرشاد، فالذي يطلب من آخر أن يقرء أو يفكر، قد يفهم من كلامه ضمناً أن الآخر تنقصه القراءة أو يعوزه التفكير، أما إذا طلب منه الكتابة، فالكتابة لا يضطلع بها إلا القارء المستودع في نفسه فضيلة التفكير.. لقد كانت كلمات الشهيد نجدت قوجاق هي الشرارة الأولى التي أضاءت لفكرة النص في رأسي، وأنا على يقين بأنها ستفعل نفس الفعل لدى كل من يقرئها ككلمات مثقلة بكنوز من المعاني.. فستأذنت كاتب المقالة في حديث هاتفي جرى بيننا قبل سنتين، في كتابة نص درامي يحمل نفس العنوان الذي إختاره الشهيد نجدت قوجاق، وقد فرح بذلك وتمنى لي الموفقية في طريق إتمام هذا العمل، فله كل الشكر على تشجيعه الأخوي..
ويجد القارئ الكريم أنني قد وضعت عنواناً جانبياً للنص (الجيل الأول)، وذلك للتفريق بينه وبين نص آخر سأنتهي من إكماله في وقت لاحق، وهو نص درامي يحمل نفس العنوان الرئيسي (ذوي الأردية الزرقاء) مع عنوان جانبي (الجيل الثاني)، يسلط الضوء على جريمة إعدام القادة التركمان في 16 كانون الثاني 1980 ومن ضمنهم نجدت قوجاق وعبدالله عبدالرحمن ورفاقهما.. كما يحاول النص تسليط الضوء على الظروف التي أحاطت بالتركمان في عهد البعثي الفاشي..
ولا يفوتني هنا أن أقدم شكري للناقد المسرحي الأستاذ فاضل ناصر كركوكلي على الملاحظات القيمة التي أبداها على النسخة الأولية للنص، والتي ساهمت في تطويره مساهمة كبيرة.. فله كل الشكر والتقدير.
وأخيراً يهمني أن أثبت هنا، أن هذا النص ليس من أجل نكأ الجراح، أو التحريض على الكراهية، بل هو محاولة لإلقاء الضوء من جديد على مرحلة صعبة ومؤلمة مرت على تركمان العراق، فقدوا فيها أناس أعزاء وقادة أثر تغيبهم القسري على مجمل مسيرة الحقوق القومية التركمانية، لذا فليس من المغالاة إطلاقاً القول بأن مجزرة كركوك في 14 تموز 1959 لم تكن فقط عملية تصفية جسدية لقادة التركمان وبأبشع الصور، بل كانت عبارة عن إبادة ثقافية ومحاولة لكسر الشوكة، مازال الوسط التركماني يعاني من تأثيراتها الى هذا اليوم.. إنها رسالة الى الأجيال التركمانية بأن المسيرة لم تتوقف، ولن تتوقف مهما كثرت الجراح، ومهما طالت قائمة الشهداء، وأن حقوق الشعوب لا تسترد إلا بسواعد أبنائها البررة المؤمنين حقاً وصدقاً بقضايا شعوبهم..
وهي أيضاً رسالة الى أولئك الذين يعرفون أنهم مذنبون بحق التركمان في تلك الجريمة وغيرها كما يعرفون أبنائهم، وأنهم يتحملون كل التبعات القانونية والأخلاقية لتلك المجزرة، وعليهم أن يتحلوا بالشجاعة ويعتذروا للشعب التركماني عما إقترفوه من جريمة منظمة بحق أبناءه، بدلاً من المضي في غيهم ثانية.. وهي تذكرة لهم بأنه كما خاب كيدهم في عام 1959 وذهبت ريحهم وبقيت كركوك والتركمان، ستنتهي مؤامرتهم الجديدة الى سراب وسينهض التركمان هذه المرة أقوى وأقدر من أي وقت مضى، بفضل دماء شهدائهم، وسواعد ابنائهم..
الرواة:
1ـ أمين (يروي عن تاريخ الشخصيات، ويقدم لأحداث المسرحية).
الشخصيات اللازمنية:
1ـ الدرويش حسين (كهل نوراني، يرمز الى ضمير الشعب التركماني، يخترق الزمن الحاضر الذي يعيش فيه الرواي، والزمن الماضي حيث تقوم أحداث المسرحية).
الشخصيات الأساسية:
1ـ عطا خيرالله (50) عاماً.
2ـ عثمان خضر (صاحب مقهى 14 تموز) (40) عاماً.
الشخصيات الرئيسية:
1ـ عبدالله (الحلاق) ( 40 عاماً).
2ـ التاجر (40 عاماً).
3ـ الدكتور إحسان خيرالله (45 عاماً).
4ـ عبدالله عبدالرحمن (45 عاماً).
5ـ ابو نجدت (55 عاماً).
6ـ نجدت (20 عاماً).
7ـ ابو مهدي (60 عاماً).
8ـ مهدي (24 عاماً).
9ـ الحاج نورالدين (المختار) (60 عاماً).
10ـ رضا الكولاني (وكيل مدير الأمن) (50 عاماً).
11ـ جلال (وكيل الملا البرزاني في كركوك) (26 عاماً).
12ـ عبدالواحد (ملازم أول) (29 عاماً).
14ـ معروف البرزنجي (رئيس بلدية كركوك في عام 1959) (55 عاماً).
15ـ نوري جميل الطالباني (ملازم إحتياط) (35 عاماً).
16ـ أم نجدت (50 عاماً).
17ـ زينب (خطيبة مهدي) (20 عاماً).
18ـ إيمان (صديقة زينب) (20 عاماً).
الشخصيات الثانوية:
1ـ الشرطي ورجلا الأمن.
2ـ الرجل الثالث الذي يزور أبو نجدت مع عطا خيرالله والدكتور إحسان.
3ـ الشباب الذين يظهرون مع نجدت ومهدي بعد المجزرة (في المشهد الثالث من الفصل الثاني).
4ـ زبونا الحلاق الحاج عبدالله (في المشهد الأول والثاني من الفصل الأول).
5ـ الرجال والنساء الذين يقودون مظاهرة الغوغاء (في المشهد الأول من الفصل الأول)، والذين يقومون بقتل التركمان (في المشهد الثالث من الفصل الثاني).
6ـ الفتيات اللاتي يظهرن الى جانب زينب وإيمان (في المشهد الثالث من الفصل الثاني).
* * *
الفصل الأول
المشهد الاول
في الزاوية الداخلية من الجانب الأيمن للمسرح هناك مصطبة كبيرة، عليها سماور فضي اللون فوقه إبريق شاي (قوري من الفخار المزجج)، تتناثر حول السماور مجموعة أخرى من أباريق الشاي، وأقداح شاي (إستكانات)، وعدد من صواني الألمنيوم الخاصة بتقديم الشاي في المقاهي.. ومجموعة من علب الطاولي (لعبة الزهر) مرتبة في الجانب الآخر من المصطبة.. ومن فوق السماور في الأعلى يتدلى أنبوب كبير للمدخنة، وهناك لوحة كبيرة مكتوب عليها (مقهى 14 تموز) وتحتها صورة كبيرة للزعيم عبدالكريم قاسم، اللوحة والصورة تتوسطان حائط المسرح المواجه للجمهور.. الى يمين صورة عبدالكريم قاسم وبموازاتها هناك لوحة كبيرة وواضحة لقلعة كركوك.. وتحت الصورة هناك رف صغير موضوع عليه راديو من الطراز القديم، يظهر بالقرب منه عثمان الجايجي صاحب المقهى، مرتدياً صاية باللون الازرق الفاتح مع قميص أبيض، ويلف رأسه بيشماغ أبيض منقط بالأسود.. ويلف الجزء السفلي منه بقطعة قماش بيضاء..
وفي الزاوية الداخلية من الجانب الأيسر للمسرح فهناك مرآة كبيرة مثبتة على الجدار، تحتها منضدة تتوزع عليها قوارير عطور وأدوات حلاقة وكرسي دوار (كرسي الحلاق)، يبدو عنده الحلاق عبدالله مشغولاً بحلاقة أحد الزبائن، وهو يرتدي بنطال أسود وقميص سمائي فوقه معطف الحلاقين الأبيض التقليدي..
تتوزع على أرضية المسرح طاولتان دائريتان حول كل واحدة منهما ثلاثة كراسي. وهناك مارة على الطريق الذي يشكل نهاية ارضية المسرح بمواجهة الجمهور.. يجلس على الكراسي حول إحدى الطاولتين كلٌّ من:
الحاج نورالدين (المختار)، يلبس الزي التركماني التقليدي (الصاية والجاكيت) باللون الأزرق الفاتح ويلف رأسه بيشماغ منقط بالأسود، وبجانبه يجلس التاجر الذي يلبس بدلة من الطراز القديم باللون الأسود، ذات خطوط بيضاء ناعمة، ويضع على رأسه سدارة غامقة اللون.
الطاولة الثانية يتقاسم الجلوس عليها كل من أبو مهدي، يلبس الزي التركماني باللون الرصاصي الفاتح. وولده مهدي (الشاب)، يلبس بنطلون أسود وقميص أزرق فاتح.
عثمان الجايجي يحاول أن يثبت موجة الراديو على إذاعة بغداد ولكنه لا يفلح..
عبدالله الحلاق مشغول بحلاقة زبونه..
رواد المقهى مشغولون بالحديث..
في تلك الأثناء يدخل الراوي أمين الى المسرح، فيسود السكون ويتوقف بقية الممثلين عند آخر حركة لكل منهم..
الراوي يحيي الجمهور: السلام عليكم.. أنا إسمي أمين.. بالتأكيد أنتم تعرفون أيها الأخوات والأخوة هذا المكان (يشير الى المقهى والجالسن فيه)، إنه مقهى 14 تموز في مدينة المحبة كركوك، والتاريخ هو تموز سنة 1959..
هنا يتحرك الراوي من مقدمة المسرح نحو عثمان الجايجي، ويضع يده على كتفه، ويكمل:
الراوي: هذا الشخص إسمه عثمان خضر، رجل تأبى كركوك وأهلها نسيانه، ولازالت كل حجارة في قلعة كركوك تحكي الحكايا عن شجاعته ومرؤته وصوته العذب، إنه أكثر من صاحب مقهى، لأنه يقدم للناس شيئاً أحلى من الشاي وأطيب من نومي البصرة، إنه يقدم للناس المحبة ومستعد لتقديم أكثر من ذلك لكركوك وأهلها الطيبين.. وسنرى كيف يفعل ذلك..
ثم يتحول الراوي تجاه عبدالله الحلاق، ويضع يده على كتفه، ويكمل:
الراوي: هذا الشخص إسمه عبدالله الحلاق، تركماني شهم، إبن كركوك، إبن العراق.. قد تتسائلون، من هو عبدالله الحلاق؟
هنا يتوجه الراوي نحو مقدمة المسرح ويشير الى أحدهم بلا تعيين، ويكمل:
الراوي: عبدالله الحلاق الشهم، يمكن أن يكون أنت، أو أنت، أو أنت.. إنه واحد منكم، يعيش بينكم..
ثم يتحول الراوي تجاه الشاب مهدي، ويضع يده على كتفه، ويكمل:
الراوي: هذا الشاب إسمه مهدي، شاب يحمل كركوك في سويداء قلبه، ويهتم لهمّ العراق، ويغتبط لأفراحه، أنتم بالتأكيد تتسائلون من قد يكون هذا الشاب؟
يتجه الراوي ثانية نحو مقدمة المسرح، ويشير بكلتا يديه بلا تعيين نحو الجمهور ويقول:
الراوي: مهدي هو كل شاب تركماني يحب وطنه ويغار على عروس العراق كركوك الغالية..
ثم يكمل الراوي:
الراوي: أيها الأخوات والأخوة.. كركوك 1959 تعيش أزمة وإضطراباً مبعثه أناس غرباء عن روح العراق، أناس لا تربطهم بكركوك وبأهلها الطيبين (يشير الى المقهى ورواده أشارة خاطفة) أي رابط، بإستثناء الأطماع والأوهام.. تماماً كالأوضاع التي تعيشها المدينة هذه الأيام، نفس الأطماع، ونفس الغرباء، والمستهدفون هم نفسهم، أنتم يا أهل العراق ويا أهل كركوك الأصلاء (ويشير بيده نحو الجمهور)..
ثم يكمل:
الراوي: الآن علي أن أغادر وأترككم لتعيشوا في أجواء كركوك عام 1959..
هنا، تستأنف شخصيات المشهد حركتها.. عثمان الجايجي يتوجه نحو السماور ويبدء بترتيب قوارير الشاي... عبدالله الحلاق ينشغل بحلاقة زبونه.. رواد المقهى يتهامسون فيما بينهم..
وعندما يكون الراوي على وشك المغادرة، يدخل الى المسرح، الدرويش حسين، رجل متقدم في السن ذو لحية بيضاء، ملابسه البسيطة يغلب عليها اللون الأخضر، ويعلق في رقبته مسبحة طويلة، ويتكأ بيده اليمنى على عكاز.. يدخل الى المسرح وهو يردد:
الدرويش: حيٌّ هو الحي.. طريقه المحبة، وأهله أهل الصدق والقلوب الرحيمة..
يحاول الراوي، إيقافه قائلاً:
الراوي: الى أين تريد يا درويش حسين، علينا أن نترك المكان، فالزمان ليس زماننا؟
الدرويش حسين يجيب بود وبثقة:
الدرويش: تقصد ليس زمانك أنت يا أمين.. أما أنا فلا أنتمي الى زمن بعينه، أنا أنتمي الى الحقيقة.. الحقيقة وحدها.. وطريقي هو طريق المحبة.. وها هو يأخذني الى حيث هؤلاء الناس الطيبين (يشير نحو المقهى ورواده)..
الراوي مستغرباً:
الراوي: حسناً يا درويش حسين لك ما تريد.. أما أنا فعليّ المغادرة، أستودعك الله أيها الرجل الطيب..
الدرويش حسين: في أمان الله، يا أمين..
ومع خروج الراوي يبدء الدرويش حسين يردد وهو يتوجه نحو رواد المقهى وهم منتبهين إليه:
الدرويش:
تطلعت الى الملأ الأعلى يوماً
ووجدتهم ثمانية وعشرون
فأنخت ناقة المكاشفة بعيداً
وسرت حيث سار المنصتون
فوجدت على الحرفين حرساً
لا يفعلون إلا ما يؤمرون
ولما طال المقام بنا ساعة
وَمَضَ من فوقنا شهابٌ
أسرّ العيون
فركبت ناقتي عائداً على عجل
وقد وجدت علة الكون
بين الكاف والنون
هنا ترتفع أصوات رواد المقهى ومعهم عثمان الجايجي وعبدالله الحلاق بالصلوات، مرددين بصوت واحد:
ـ اللهم صلي على محمد وعلى ال محمد..
ثم يتجه عثمان الجايجي نحو الدرويش حسين، وبرفق يضع يده على متنه، قائلاً:
الجايجي: تعال أيها الرجل المبارك، تفضل وأجلس..
يجلس الدرويش الى جانب مهدي.. ويكمل عثمان الجايجي:
الجايجي: أين أنت أيها الطيب، منذ زمن لم نرك هنا؟
الدرويش: إسمع يا أخي عثمان، اليوم جئت هنا لأقص عليكم رؤية غريبة رأيتها بالأمس..
الحاج نورالدين (المختار): خيراً إنشاء الله يادرويش حسين..
الدرويش: رأيت كركوك، كركوك هذه العروس المتزينة بأخلاق أهلها الطيبين.. كركوك التي تسكنها وتسبح في أرجائها الحمائم، وتملئ أنسام الطيب جنباتها وأنغام الملائكة آفاقها..
الجميع يهزون رؤوسهم، علامة على الرضى، وفي نفس الوقت يقتربون أكثر من حيث يجلس الدرويش، ويزداد إنتباههم لكلامه..
الدرويش: ولكن كل ذلك تغير وإنقلب في لحظة، حين ملئت الأجواء أصوات عقبان شريرة، وهدير مكائن وصلصلة سلاح.. وتلبدت أجواء المدينة بدخان وظلام مخيف، فتلاشت أنغام الملائكة، وإنقطعت نسمات الطيب.. وحين إنجلت الظلمة تبين أن العقبان الشريرة شوهت بمخالبها وجه كركوك الباسم، وهجمت على حمائمها وقتلت منها ما قتلت..
ثم يبدء الدرويش يجهش بالبكاء.. رأيت الحمائم هنا في هذا المكان غارقة بدمائها.. لقد قتلوا الحمام يا أخي عثمان.. قتلوها..
هنا يبدي الجميع تعاطفهم مع الدرويش حسين وبكائه (بإستثناء التاجر الذي لا يظهر أي إهتمام لكلام الدرويش).. عثمان الجايجي يحاول أن يهدء من روع الدرويش قائلاً:
الجايجي: كل قضاء بأمر الله تعالى يا درويش حسين، بيده الأمر، وإليه المنتهى.. إرح نفسك أيها الرجل الطيب وسأجلب لك إستكانة شاي، فأنت بالتأكيد متعب من أسفارك الطويلة..
ولكن الدرويش حسين ينهض من مكانه، ويلتفت يمنة ويسرة ليردد:
الدرويش: حيّ هو الحي، طريقه المحبة، وأهله أهل الصدق والقلوب الرحيمة..
ثم يغادر ليخرج من الجانب الثاني للمسرح..
يبدء رواد المقهى وعبدالله الحلاق، يتهامسون حول الكلام الغريب الذي سمعوه من الدرويش حسين.. وبينما عثمان الجايجي مشغول قرب السماور.. تسمع اصوات ضجيج من خلف المسرح وكأنها تصدر من تظاهرة، الأصوات تزداد شدتها شيئاً فشيئاً، ومع إزدياد الصوت، يزداد إنتباه عثمان الجايجي، والحلاق عبدالله وزبونه وبقية رواد المقهى.. الجميع يحاولون الإصغاء تجاه مصدر الصوت، والذي يأتي من الجانب الأيمن للمسرح..
يترك عثمان الجايجي أبريق الشاي على المسطبة ويتمشى نحو يمين مقدمة المسرح، واضعاً كف يده اليمنى حول أذنه في محاولة لتتبع مصدر الصوت.. وكذا يفعل عبدالله الحلاق ويتحرك بنفس الطريقة تجاه مقدمة المسرح.
زبون الحلاق: أرجوك يا عبدالله، لديّ موعد مهم وعليك أن تكمل حلاقتي بسرعة.
الحلاق: أوو..هووه... عرب وين طنبورة وين! أنتظر ياصاح، الدنيا لن تطير.
الجايجي: هل تسمع يا عبدالله ما أسمع! مالذي يجري في المدينة ياترى؟
التاجر مستبقاً إجابة عبدالله الحلاق بتعليق فيه بعض السخرية:
التاجر: قد تكون هذه أصوات العقبان التي حلم بها الدرويش حسين!!
عبدالله الحلاق بملامح الممتعض من تعليق التاجر:
الحلاق: نعم، إنها أصوات عقبان الشر، ياااا أفندي..
ثم يلتفت نحو عثمان الجايجي ليجيب على سؤاله:
الحلاق: ومن يكون غيرهم! إنهم الإنفصاليون ومطاياهم من الإنتهازيين.. جائوا بحبالهم وقاماتهم لتهديدنا من جديد!
الجايجي: أنهم مخطئون إن كانوا يظنون أننا سنقف مكتوفي الأيدي أمام وقاحاتهم.
التاجر: لا، لا... لا أعتقد أن المسألة تستحق كل ذلك يا عثمان! إنهم مجموعة من المشاغبين وسيذهبون في طريقهم.
المختار: العقل زينة الرجال، أتركوهم فهم بالتأكيد سيقعوا في شر أعمالهم يوماً.
مهدي: ولكن يا عمي الحجي، هؤلاء يستهدفوننا نحن ولن يقع شرورهم على غيرنا.
ابو مهدي: أخرس ياولد، ولا تجب عمك المختار، بهذه الطريقة.
مهدي: أنا أقول الحقيقية يا أبي.
الأب: هيا أترك المقهى وأذهب الى البيت فوراً.
مهدي: ولكن يا ابي يجب أن أرافقك الى الطبيب بعد قليل.
الأب: فلتذهب الى الجحيم أنت والأطباء أنا بألف خير.
يترك مهدي المقهى مجبراً.
المختار: يا أبا مهدي لا تكن قاسياً على ولدك، إنه لم يعد صغيراً.. والزمن قد تغير.. ولا تنسى إنه خطيب إبنتي، أي أنه بمقام إبني.. ومن حقه أن يأخذ ويعطي معي في الكلام..
التاجر: والله يا حجي نورالدين هؤلاء الشباب طائشون، إنهم يختلفون عن أيام شبابنا نحن..
يقاطعه عثمان الجايجي:
الجايجي: والله يا أفندي، شبابنا ليس كمثلهم في الأخلاق ولو بحثت الدنيا كلها، أنظر الى شباب أولئك الوقحين، إنهم لا يقيمون إحتراماً لا لصغير ولا لكبير.
الحلاق: والله صدقت يا حاج عثمان، نحن هنا في السوق يومياً ونراهم ونرى أبنائنا.
المختار: أتركونا من هذا الموضوع الآن يا جماعة.. ألا تسمعون هذا الغوغاء الذي يعم المدينة، منذ أشهر وكركوك الوادعة الجميلة تحولت الى مدينة للرعب، من هم الذين يقفون وراء هذا كله؟ وما هي غايتهم من إثارة المشاكل؟
الحلاق: ومن غير أنصار الحزب الديمقراطي الكردستاني والشيوعيين الإنتهازيين الذين لطخوا سمعة اليسار بالعار يقومون بكل ذلك!
أبو مهدي: والله يا جماعة أنا لا أفهم ما الذي يجمع أناس قومجية عنصريين مع آخرين يدّعون أنهم شيوعيون لا يعترفون بالفوارق القومية ويناضلون من أجل البشرية؟ والله إنه للغز محير؟
الحلاق: أي شيوعية يا أبا مهدي! هؤلاء مجموعة من الإنتهازيين لا يحملون أية رسالة غير الحقد والكراهية، ولا يفهمون من اليسار غير أنه الإتجاه المعاكس لليمين.. وليس هناك ما يدعو للإستغراب في تحالفهم مع الإنفصاليين والقومجية.. الإنفصاليون يحتاجون الى مطية يعبرون عليها الى أهدافهم الشريرة، وليس هناك من مطية أفضل من هؤلاء الإنتهازيين بائعي الضمير وتجار المواقف يمتطونهم لينفذوا أحلامهم على حساب الآخرين.
التاجر: يا جماعة، لماذا تشغلون بالكم بهم، ما علاقتنا نحن بالإنفصاليين والإنتهازيين، أتركوهم وشأنهم..
الجايجي: هذا الكلام يجب أن يوجه اليهم وليس إلينا يا أفندي.. إنهم يضعون التركمان وكركوك في بؤرة أهدافهم، فهل نحن الذين نتدخل في شؤونهم أم هم؟
عبدالله الحلاق يهز برأسه مستغرباً وهو ينظر الى التاجر ويقول:
الحلاق: هه.. إسمعوا هذا الكلام!! نتركهم وشأنهم!!.. وهل قلنا لهم يوماً "على عينكم حاجب".. إذهب يا أفندي الى حيث يتظاهرون وأنظر أفعالهم وإسمع شعاراتهم العنصرية الكريهة..
المختار: لا تستعجل يا عبدالله سنراهم هنا بعد لحظات.
أصوات التظاهرة تقترب من المقهى، وتظهر بدايتها..
مجموعة من الرجال وبعض النساء، يغلب على ملابسهم اللونين الأحمر والأصفر، بعضهم يرتدون الزي الكردي التقليدي، والبعض الآخر يلبسون بدلة قطعتين، تتقدمهم مجموعة تحمل الحبال والسلاسل والقامات (سكاكين طويلة)، وخلفهم رجل يحمل صورة الزعيم عبدالكريم قاسم، واخر يحمل علم روسيا السوفيتية، وهم يرددون بصوت واحد:
ـ جبهة جبهة وطنية صداقة سوفيتية عراقية...
ثم تجيبهم مجموعة من ضمنهم، وهم يلوحون بالحبال والسلاسل والقامات بوجه رواد المقهى:
ـ لتسقط التركمانية...
ثم تعود المجموعة الأولى لتردد:
ـ جبهة جبهة وطنية لا إنحراف ولا رجعية...
ثم يعودو ليهتفوا جميعاً بصوت واحد:
ـ ماكو زعيم إلا كريم... ماكو زعيم إلا كريم...
وقبل أن ينتهوا من ترديد شعاراتهم يسرع عثمان الجايجي الى عمق المسرح حيث صورة الزعيم عبدالكريم قاسم فيرفعها ملوحاً بها، وفي نفس الأثناء يسرع عبدالله الحلاق الى محله ويجلب علم الجمهورية العراقية (علم 1958) ويلوح به.
الجايجي: أخوة أخوة عراقية.. عربية كردية تركمانية..
الحلاق: ولتسقط الإنفصالية..
ويبدء رواد المقهى يرددون بصوت عالي مع عثمان الجايجي وعبدالله الحلاق:
ـ ماكو زعيم إلا كريم... ماكو زعيم إلا كريم...
أمام هذا المشهد تتحرك مسيرة الغوغاء ويتركون المكان ليخرجوا من الجانب الثاني للمسرح، وهم يرددون نفس الشعارات التي دخلوا بها قاعة المسرح.
ثم تلغى الإنارة..
المشهد الثاني
الشخصيات التي تظهر في هذا المشهد هي كالتالي:
عثمان الجايجي، عبدالله الحلاق، التاجر، الحاج نورالدين (المختار)، ابو مهدي، الشرطي ورجلا الأمن، زبون الحلاق..
عثمان الجايجي يقدم الشاي للمختار والتاجر، في حين الإثنان مشغولان بلعب الطاولي:
الجايجي: وهذا جاي بالدارسين للمختار.. وجاي بالهيل للأفندي..
المختار والتاجر يجيبان معاً:
ـ عاشت الأيادي.
الجايجي: صحة وعافية.
ثم يسترسل التاجر في حديثه مع المختار..
التاجر: هل رأيت ياحجي نورالدين، المسئلة لم تكن بالخطورة التي كان الجميع يظنونها، فالحكومة نقلت داود الجنابي، وهو لن يحلم بالعودة الى كركوك مرة أخرى، والأحكام القسرية قد ألغيت، وأكثر المبعدين عادوا الى كركوك.. المسئلة منذ البداية كانت مجرد سوء فهم من قبل البعض.
المختار: والله نتمنى أن يكون الأمر مجرد سوء فهم كما تقول، رغم أن الواقع يقول شيئاً آخر.. المسئلة يا أخي ليست متعلقة بـ...
عبدالله الحلاق يصغي بهدوء الى كلام التاجر والمختار، وقبل أن ينتهى الأخير من كلامه، يترك زبونه ويتوجه نحو التاجر وهو حانق:
الحلاق: أي سوء فهم يا أفندي هذا الذي تتكلم عنه، هل تظن أن الامور إنتهت بالنسبة لهم بهذه البساطة؟ إن خائن الوطن ومطية الانفصاليين قائد الفرقة الثانية السابق داود الجنابي لم يبعد عن كركوك إلا بعد أن أكمل مهمته يا أفندي، لقد أغلق كل الصحف التركمانية، البشير، الآفاق، جريدة كركوك، وإعتقل ما يزيد على ألف شخص من المواطنين التركمان، زجوا بهم بالمواقف والمعتقلات ولاقوا أنواع العذاب والاضطهاد على أيدي الضباط والمراتب في دهاليز الفرقة الثانية، وبأشراف حاكم التحقيق المجرم بطرس مروكي ورئيس المحكمة المجرم عوني يوسف ووكيل مدير الأمن المجرم رضا الكولاني.. أبعد ونفى المحامين والأطباء والموظفين المهمين من التركمان، وحتى رجال الاعمال الشرفاء قد تم نفيهم!
التاجر: ماذا تقصد يا عبدالله؟ هل تعني أننا لسنا شرفاء؟
الحلاق: والله، صاحب الحجر يتلقاه يا أفندي!
التاجر: أنا لا اسمح لك بهذه الإهانة.
الجايجي: أرجوكم يا أخون، عليكم إحترام المقهى والجالسين فيه.
التاجر: ألا ترى يا عثمان ما يقوله صاحبك؟ هل هذا الكلام لائق بحقي وبحق المختار؟
المختار: أستهدوا بالرحمان يا أخوان، علينا التفكير بما هو أهم، فالذكرى الاولى لثورة 14 تموز قادمة بعد أيام، وعلينا التهيئ للأحتفال بالمناسبة.
الحلاق: والله من الأولى أن نتهيئ لمن يتربص بنا يا حجي نورالدين؟
المختار: هون عليك يا عبدالله، هون عليك يا أخي، أنت تتكلم وكأنك أبن عشرين سنة، كل هذه العقود لم تعلمك النظر الى الامور بحكمة؟
الحلاق: والله ياحجي نورالدين، وكما يقولون، الوقاية خير من العلاج، ونحن منذ قيام الجمهورية مهددون من قبل الإنفصاليين والشيوعيين، لا لذنب إقترفناه، بل فقط لأننا تركمان، ومتمسكين بعقيدتنا وبأرضنا وحبنا للعراق، فهل هذه جريمة يعاقب عليها الانسان بالله عليكم؟
ابو مهدي: والله يا جماعة هؤلاء الناس يعانون من قصر نظر غريب، أنظروا اليهم، لم يمضي على إطلاق يدهم في كركوك سنة واحدة، وترون حجم المفاسد التي إقترفوها.. أتسائل إن إستمر الأمر هكذا سنة أخرى، أي تدمير سيحل بالمدينة يا ترى؟
الجايجي: تخيلوا إذا أطلق يدهم في بغداد وأربيل وكركوك يوماً ما، أي دمار سيلحقونه بالعراق؟!
التاجر: يا إخوان، أنا أرى أن نتمسك بالهدوء كي نفوت على الآخرين فرصة الإيقاع بنا، إن كان هناك فعلاً من يفكر بهذا الامر!
الجايجي: كيف نتمسك بالهدوء يا أفندي، والأخرون مسلحون ويساندهم الشيوعيون الذين يسيطرون على الفرقة العسكرية الثانية في المدينة؟ ألم ترى بعينيك وقاحاتهم وتهديداتهم العلنية لنا بالحبال والقامات..
بعد أن يكمل عثمان كلامه يتوجه نحو الراديو.. ويحاول أن يثبت الموجة على إذاعة بغداد..
الحلاق: أي هدوء ياعمي؟ الخطة واضحة، فهم لم يبقوا في بيوتنا حتى سكاكين المطبخ، في حين أن الإنفصاليين والشيوعيون لديهم ترسانات في بيوتهم!
الجايجي: أمر محير.. وكأن بغداد في سبات ولا تدري ما يجري في كركوك! حتى الإذاعة لا تريد أن تصل الينا! الله يستر من تاليها..
الحلاق: لقد فقع الشيوعيون وأعوانهم عيون بغداد، ولم يبقى لها سوى الآذان.. فلم تعد تسمع غير الوشاية خبراً.. وحكومة هذا حالها لن تستطيع التمييز يوماً بين المخلصين والخونة..
ابو مهدي: وهذه الآذان، ألا ترق لمظالمنا، ألا تسمع أزيز كركوك، هذا القِدر الذي يغلي بمؤامرات الإنفصاليين ضد العراق ووحدته؟!
الجايجي: بل قل متى ستحس بغداد بآلام كركوك يا ترى؟ ومتى تفهم أن كركوك هو سورها المنيع، فإن تهدَّم هذا السور فلا بقاء لها..!!
التاجر: إستهدوا بالرحمان ياجماعة، كل شيء على مايرام.
في تلك الاثناء يدخل رجل يرتدي ملابس الشرطة النموذجية (بدلة تريكو باللون الخاكي وسدارة خاكية)، ومعه شخصان مدنيان بملابس رسمية (بدلة قطعتين).. الشرطي يتقدم من المختار نورالدين، ثم ينظر في الورقة التي بيده ويوجه كلامه اليه بلهجة إستفزازية:
الشرطي: عطا خير الله، أين نجده في هذه الساعة؟
الجايجي: تقصد المقدم عطا خيرالله!
الشرطي: نعم هو مقدم متقاعد.
المختار: والله لا أعرف، بالتأكيد تجدونه في بيته.
الشرطي: وهل تتصور إننا لم نذهب الى بيته! عموماً السيد المأمور يريده في المركز، يجب أن يحضر الى هناك اليوم.
المختار: سأحاول أن ألتقي بالبيك وأعطيه خبراً بالموضوع، لا تهتم أنت يا أبو اسماعيل..
ثم يترك الشرطي ورجلا الأمن المكان..
عبدالله الحلاق يمشي نحو مقدمة المسرح وهو يهز بيده مستغرباً ويقول:
الحلاق: هذه مؤامرة جديدة..
التاجر: اصبر يا عمي، أصبر، هل تبحث عن جنازة لتلطم فيها..
الحلاق: نعم، وخصوصاً إن كانت الجنازة لتاجر خسران..
الجايجي: إهدءوا يا أخوان، أرجوكم إهدءوا.. الموضوع بات أخطر مما نتصور جميعاً..
ابو مهدي: أمر عجيب حقاً، وهل هذه طريقة لإستدعاء رجل بمكانة عطا خيرالله، إنهم يتحارشون بالأسد في عرينه..
الحلاق: ألا يكفيهم ما فعلوا به، إعتقلوه وعذبوه بألوان العذاب، والله إن الجبل لا يتحمل ما تحمله عطا خيرالله من تعذيب على أيدي جلاوزتهم..
الجايجي: الأمر واضح يا إخوان، ولا يلتبس إلا على من أعميت بصيرته.. إنهم يهدفون الى زعزعة ثقة التركمان برمزهم، ولكن الصقل لا يزيد المعدن الأصيل إلا لمعاناً وقوة..
في تلك اللحظة ينهض المختار من مكانه:
التاجر: خيراً ياحجي نورالدين، مازال الوقت مبكراً..
المختار: أعرف ذلك، ولكنني ذاهب لمقابلة السيد المأمور لأستفسر منه عن حقيقة الموضوع..
الجايجي: والله إنني أرى أنه من الافضل الذهاب الى عطا بيك أولاً، فالخبر اليقين لديه بكل تأكيد..
ابو مهدي: يا إخوان أعطوا العجين للعجان، اتركوا المختار يفعل ما يراه مناسباً..
المختار: أنا ذاهب، وسنلتقي هنا صباح الغد بإذن الله..
التاجر: إذن خذني معك يا حاج..
ثم تلغى الإنارة..
المشهد الثالث
في هذا المشهد يظهر كل من:
الدرويش حسين، ابو نجدت، أم نجدت، نجدت، عطا خيرالله، الدكتور إحسان خيرالله، شخص ثالث برفقة الأخيرين.
تركز الاضاءة على وسط المسرح، حيث يوجد سرير وبجانبه أريكتان متقابلتان تتوسطهما منضدة مستطيلة صغيرة، يبدو على السرير رجل مريض وبجانبه زوجته بملابس نساء التركمان التقليدية وهي تقدم له قدح ماء وقرص دواء.. ويبدو من وضعية المكان انها عائلة فقيرة..
الزوج: ماهي الاخبار في المدينة يا أم نجدت؟ القلق ينهشني واحس بضيق في صدري؟
الزوجة: هون عليك يا أبا نجدت، كل شيء على مايرام، وإنشاء الله ستمر هذه الغمامة بسلام!
ابو نجدت: والله إنكِ لتزيدين من قلقي..
في تلك الاثناء يطرق الباب..
ابو نجدت: تفضل يا من تطرق..
يدخل الدرويش حسين، وهو يردد:
الدرويش: حيُّ هو الحي، طريقه المحبة، وأهله أهل الصدق والقلوب الرحيمة..
ثم يلتفت يمنة ويسرة ليقول:
الدرويش: أين هذا العجوز الذي يسمى أبو نجدت؟ دلوني عليه فوراً..
أبو نجدت وأم نجدت يرحبان بالدرويش ضاحكين..
أم نجدت: تفضل يا درويش حسين.. ها هو صديقك العجوز..
الدرويش: أطال الله عمرك يا أم نجدت.. كيف تجعليني وأنا في ربيع عمري صديقاً لعجوز! وليس أي عجوز.. بل عجوز يدعي المرض كي يتهرب من وعده لي بأن يأخذني في زيارة الى مرقد سيدي أبا عبدالله الحسين عليه السلام..
أبو نجدت (مبتسماً): أهلاً وسهلاً بك أيها الرجل المبارك.. والله إنني عند وعدي، ولكني كما تركتني آخر مرة، طريح الفراش لا أقوى على مغادرة المنزل..
الدرويش: إنهض يا أبا نجدت، إنهض يا إبن التركمان، وأنفض عنك غبار المرض وأترك هذا الفراش، فطالما عرفتك قوياً عنيداً لا تقهر، ولا تلوي من عزيمتك الشدائد... أنظر إلي، لم أفقد من شبابي شيئاً، ولا زلت أطارد المرض بعكازتي هذه، فيهرب من أمامي مثل الكلب المتشرد..
أبو نجدت: والله إن كلامك لأشهى من العسل يا درويش حسين.. تعال وأجلس الى جانبي..
الدرويش: لقد جأت لأطمأن عليك، وعليّ الآن أن أغادر..
أم نجدت: كيف تغادر دون أن تأكل من الدولمة التي حضرتها اليوم؟
الدرويش: لديّ الكثير لأقوم به، ولكنني سأعود اليكم في المساء إنشاء الله..
أبو نجدت: إذا كان الأمر كذلك فلك أن تغادر يا درويشنا الطيب..
الدرويش حسين يغادر المكان.. وهو يردد:
الدرويش: حيّ هو الحي، طريقه المحبة، وأهله أهل الصدق والقلوب الرحيمة.
بعد لحظات يدخل الأبن نجدت الى المسرح، وهو شاب في العشرين من عمره يلبس بنطلون أسود وقميص أزرق.. فيتقدم تجاه أبويه، قائلاً:
ـ أبي، لدينا ضيوف..
الاب يتوسد بمرفقه على الفراش محاولاً النهوض، وهو يردد:
ـ أهلاً وسهلاً والف مرحباً بالضيوف... من هم ضيوفنا ياولدي؟
الابن: إنه عطا بيك خيرالله والدكتور إحسان ومعهما رجل آخر..
الاب يحاول النهوض من فراشه ولكن جسده لا يعينه، وفي نفس الوقت يخاطب زوجته التي تحاول مساعدته:
ـ اتركيني يا أم نجدت واذهبي لإستقبال الضيوف..
تتقدم أم نجدت يرافقها نجدت تجاه يمين المسرح حيث باب الدخول وهي ترفع بيدها اليسرى طرف شالها وتغطي به النصف الاسفل من وجهها، وتقدم عبارات الترحيب بالضيوف..
ـ تفضلوا، أهلاً وسهلاً بكم..
يدخل المسرح ثلاثة رجال بملابس أنيقة، يتقدمهم عطا بيك خيرالله:
ـ السلام عليكم
ابو نجدت: وعليكم السلام عطا بيك افندي، زدتنا شرفاً بمقدمك..
عطا خيرالله: الله يعلّي مقدارك يا ابا نجدت... أنت أخ عزيز ورفيق درب، ومن واجبنا معاودتك..
ثم يتقدم الثلاثة، ويجلس عطا بيك على أحد الأريكتين ثم يلتحق به الشاب نجدت بعد أن يجلس الدكتور إحسان والضيف الآخر على الاريكة المقابلة..
ابو نجدت: جئتم أهلاً وحللتم سهلاً..
ويرد الثلاثة: الله يسلمك يا ابا نجدت، مشافى إنشاء الله..
عطا خيرالله يلتفت ناحية نجدت الشاب، ثم يخاطب ابا نجدت:
ابو نجدت: ماشاء الله، ها هو نجدت قد أصبح شاباً، حتى أنني كدت لا أعرفه..
أبو نجدت: إنه بيننا لقضاء العطلة الصيفية، وسيعود الى دراسته بعد العطلة..
يهز عطا خيرالله رأسه راضياً، ثم يربت على كتف الشاب الذي يجلس بجانبه مخاطباً إياه:
عطا خيرالله: إنني أسمع كلاماً طيباً عنك وعن زملائك يانجدت، العراق والتركمان وكركوك كلهم يتوسمون الخير فيك وفيهم..
نجدت: هذا من لطفكم بيك افندي..
ثم يلتفت عطا بيك تجاه والد نجدت سائلاً:
عطا خيرالله: كيف أصبحت يا ابا نجدت؟
وينظر الى الدكتور إحسان الذي يجلس قبالته ليكمل:
عطا خيرالله: دكتور إحسان اخبرني أن وضعك الصحي في تحسن، عليك أن تكون قوياً في مواجهة المرض كما كنت دائماً قوياً في مواجهة الحياة.. أنت تعرف بأن المرض وما كان على شاكلته يستقوي بضعفنا، والإستسلام له لن ينفع، بل يزيده طغياناً، فإن تركنا له إصبعاً، فهو لن يتوقف حتى يهلك الجسد كله.. وكما الروح نفحة من الله تعالى تحمل نوره البهي، فإن الجسد هو ميراث اوائلنا، لن نتركه لقمة سائغة لهذا المرض اللعين!!
ابو نجدت: أنا لازلت كما عرفتموني يا أخوتي، ومرضي الذي في بدني لم يثني من عزيمتي يوماً، ولست قلقاً ولاخائفاً منه أبداً، جل خوفي وقلقي من هذا المرض اللعين الذي يغزو جسد مدينتنا.. كركوكنا الغالية..
عطا خيرالله: بإذن الله وبأيمان شعبنا بعدالة قضيته وحقه في الحياة الحرة الكريمة، (يلتفت نحو نجدت) وبإرادة شبابنا المؤمن المضحي سنهزم هذا المرض الخبيث، ونطهّر عروق مدينتنا من سمومه..
يردد الباقون:
ـ بعون الله تعالى..
ثم يكمل عطا بيك كلامه:
عطا خيرالله: لقد إتفقت مع أخي العقيد عبدالله عبدالرحمن وبقية الأخوة أن نجتمع مساء اليوم هنا في بيتك يا ابا نجدت، لنناقش ما يدور حولنا وحول كركوك من مؤامرات، ونحن هنا لمعاودتك وإستأذانك في ذلك، فنحن يعز علينا أن لا تكون حاضراً معنا في مثل هذا الأمر المهم..
أبو نجدت: وهل تحتاجون الى إذن لمثل هذا الأمر، بيوت التركمان كلها بيت واحد مثلما قلوبهم كانت وستظل قلباً واحداً..
عطا خيرالله: ويهمنا أن يكون نجدت حاضراً معنا.. على الشباب أن يكونوا قريبين ومطلعين على ما يحيط بأهلهم من مخاطر.. المهم أن تهتم أنت بصحتك يا أبا نجدت.. وسنتكفل بقية الأمر إنشاء الله تعالى..
الدكتور إحسان: عزيمة المرء لها دور عظيم في قهر المرض، وانت مازلت تعيش شبابك يا ابا نجدت، وأمامك الكثير..
ابو نجدت: من حسن الحظ أن ام نجدت في المطبخ يا إحسان بيك... ولو سمعتك الان لظنت أنكم هنا لتزويجي...
فيغرق الجميع في الضحك...
ثم تلغى الإنارة
المشهد الرابع
في هذا المشهد، يظهر كل من:
مهدي الشاب وخطيبته زينب، إيمان صديقة زينب، نجدت، الدرويش حسين، والراوي أمين..
خلفية المسرح عبارة عن منظر كبير لقلعة كركوك، مهدي وخطيبته زينب والى جانبها صديقتها إيمان يجلسون على أحد مدرجات القلعة، الدرويش حسين واقف بالقرب منهم..
يدخل نجدت ويقف الى جانب الدرويش حسين..
نجدت: السلام عليكم، أتمنى أن لا أكون قد تأخرت عليكم!
مهدي: نحن أيضاً وصلنا متأخرين بعض الشيء.. الدرويش حسين كعادته كان أول الواصلين..
الدرويش حسين مشغول بالتطلع الى قلعة كركوك... وبعد لحظات:
الدرويش: أنظروا يا شباب الى قلعة كركوك، ألا ترون أنها أكثر من مجرد مرتفع تحيط بقمته الجدران والأحجار..
نجدت: إنها رمز للمعلم الخالد..
الدرويش: نعم، المعلم الذي لا يكل ولا يمل من إعطاء الدروس، وإسداء النصيحة لطلابه.. المعلم الذي إستمد منه أجدادكم العبر تلو العبر، لقد تعلموا من هذه القلعة أهمية الوقوف بصلابة أمام كل طامع.. عليكم أنتم أيضاً أن تتعلموا منها أن الشموخ هو الطريق الوحيد للمواجهة، وأن الذين يرضون بالإنحناء هرباً من شدة المواجهة وتضحياتها، إنما هم كالسهول الواطئة، تدوسها كل قدم.. كم الف سنة مرت على قلعتكم هذه وهي تواجه الرياح العاتية والسيول المدمرة والغزاة الطامعين.. أنظروا اليها، هل تراجعت عن شموخها شبراً واحداً؟
نجدت: هيهات ثم هيهات، فلو تراجعت بأقل من ذلك لإنحنى كبريائها وتلاشى صمودها الأبدي، ولصارت مداساً لمن لا يستحقون أن تفيض عليهم كل صباح بآيات شموخها..
مهدي: ولكن هل يكفي أن نسهب في الحديث عن شموخ قلعتنا دون أن نفعل شيئاً في الحال، أمام وقاحات الإنفصاليين، فالعين بالعين والسن بالسن، والبادئ أظلم، وليس هناك أمضى من المواجهة سلاحاً نقطع به يد الطامع الممتد الينا وقلعتنا بالشر؟
إيمان: سلم لسانك يا مهدي، نعم، علينا أن نبادر ولا نعطي للأشرار فرصة تنفيذ ما يخططون له منذ زمن بعيد..
هنا يدخل الراوي أمين الى المسرح.. فيتوقف الممثلون بإستثناء الدرويش حسين عند آخر حركة لكل منهم..
الدرويش حسين يقترب من أمين:
الدرويش: مرحباً يا أمين، مالذي جاء بك الى هنا في هذه الساعة؟
امين: دعك من السبب الذي جاء بي يا درويش حسين.. أنت ترى كل هذا الذي يجري في كركوك 1959، وتعرف مالذي ينتظر أهلها التركمان من فاجعة.. عليك أن تخبر هؤلاء الشباب بما ينتظر أهلهم ومدينتهم، عليك أن تحضهم على الإستعداد والتهيأ لردع مخططات الاشرار..
الدرويش حسين مقاطعاً بلطف..
الدرويش: يا أخي أمين، أنت تعرف بأن التاريخ لا يتغير من هنا، من الماضي..
أمين: من أين يتغير إذن وكيف؟
الدرويش: التاريخ يتغير من حيث أنت، من الحاضر.. وبدلاً من أن تطلب مني أن أحذر أناس في ذمة التاريخ.. عليك أن تحذر هؤلاء (يشير بيديه الى الجمهور) الذين يعيشون الزمن الحاضر.. قل لهم أن التاريخ يعيد نفسه.. قل لهم أن يتهيأوا لكل ما يخطط لهم الأشرار ويكيدون.. قل لهم أن لا سبيل لهم الى النصر إلا بوحدة الكلمة.. قل لهم يا أمين، فهم قادرون على أن يغيروا مسار التاريخ بصبرهم وتضحياتهم، بعدم الخضوع لسلطان الشر وأجناده.. قل لهم أن كركوك تستحق منهم كل غالي ونفيس، فلا يبخلوا عليها بشيء، وإلا حاسبهم التاريخ، والتاريخ لا يرحم..
هنا يمسك الدرويش حسين برفق بذراع أمين ويقول:
الدرويش: هيا بنا يا أمين، لنترك هؤلاء الشباب يؤسسوا لبنيان شعبهم، البنيان الذي لا تستطيع كل جرارات العالم أن تهدمه، لأنه مبني من الموقف الشريف، والإنتماء الخالص.. هيا بنا يا أمين..
يترك الدرويش حسين والراوي أمين المسرح.. فيستأنف بقية الممثلين حركتهم..
زينب: المبادرة وقرار المواجهة، إنما هي قرار الأمة ومن تخولهم، ولا يجوز أن يعطي كل واحد منا لنفسه ذلك الحق.. وإلا أصبحت أمتنا كشجرة بعدة جذوع، وأضعف الأشجار هي التي لها جذوع متفرقة، وأقواها التي تقف على جذع واحد..
نجدت: صدقتي يا زينب، يجب أن نكون حذرين وخصوصاً نحن الشباب، وأن لا نجعل فورة العنفوان تبعدنا عن وحدة الموقف، التي يتأسس عليها وحدة الكلمة والقرار.. فنحن ننتمي لأمة تحتكم الى العقل والحكمة، وبمقدرتها أن تستقرء التاريخ وترى منه ما ليس بمقدور الرعاع قراءته أو رؤيته..
مهدي: العقل والحكمة.. العقل والحكمة.. المرء يتعامل بالعقل والحكمة مع من يمتلكون العقل والحكمة..
نجدت: العقل والحكمة عند التركمان مبدء، وليس رد فعل مؤقت..
إيمان: وهل سنواجه الحقد والكراهية ومحاولة الإبادة بالعقل والحكمة؟
زينب: نعم، وكما أن الهزيمة مضمونة لأصحاب الحقد والكراهية، فالنصر مضمون لأهل العقل والحكمة يا إيمان..
ينهض مهدي من مكانه مستاءاً...
مهدي: إنني مستاء، بحق إنني مستاء.. ويكاد قلبي ينفجر من هذا البرود الذي تتكلمين به يا عزيزتي زينب..
زينب تنهض وتضع يدها على كتف خطيبها مهدي، وتحاول أن تهدء من روعه برقتها:
زينب: يا عزيزي، نحن نعيش في فراغ تاريخي، والفراغ التاريخي تنقلب فيه الموازين دائماً، ويطغى فيه الشر وتتسع أساليبه وتقوى أدواته.. ولكن هذا مجرد فراغ مؤقت، فسرعان ما تعود الأمور الى نصابها.. وما علينا إلا أن نتحلى بالحكمة، ونتمسك بمنطق العقل، كي لا ننجر الى الدائرة التي يريدون جرنا اليها..
إيمان: أبهذه البساطة سنواجه كل هذا الشر؟ وأنتي يا زينب، ألم نتعاهد أمام الله وباقي أخواتنا أن نكون عوناً لأبناء شعبنا، وأن نحضهم على طريق الكرامة والتضحية من أجل حقوق شعبنا في الحياة الحرة الكريمة؟! ما بالك تثبطين من عزيمتنا اليوم، وتتكلمين عن العقل والحكمة وكأننا نواجه سرباً من الحمام وليس سربا من العقبان..
زينب متحسرة لا تعرف بماذا تجيب:
زينب: وهل الكلام عن العقل والحكمة في زمن المواجهة تهمة يا إيمان..
ثم تلتف الى نجدت:
زينب: قل شيئاً يا نجدت، أرجوك أن توضح الموقف..
نجدت: يا أعزائي، أرجو منكم أن لا تخلطوا بين المفاهيم، والتحلي بالحكمة لا يعني الإستسلام والتخلي عن المواجهة.. والتمسك بالعقل لا يعني السكوت عن الظلم، بل يعني عدم التهور.. نحن لدينا قيادتنا، قيادة لم تفرض نفسها علينا بالكذب والخداع.. بل قيادة تستمد قوتها وتأثيرها من صدقها وإخلاصها وتقديمها لنموذج التضحية.. وشعب له مثل هذه القيادة ليس له أن يحتار أي طريق يسلك..
مساء هذا اليوم سيجتمع أهل الرأي من شعبنا وسيتخذون قراراً ما لمواجهة ما يصبوا اليه أصحاب النفوس الضعيفة.. وأياً كان قرارهم، فنحن معهم وطوع أمرهم، وإلا كيف سنميز أنفسنا كشعب صانع للتاريخ! ما هو رأيكم..
زينب: نعمَ الرأي، فما يقرره الأب عطا بيك خيرالله وأهل الرأي من شعبنا نتمسك به ونسير على هديه..
مهدي: رأيي من رأيكما، رغم أنني لا زلت أرى المواجهة خير سبيل لردع الظالمين..
إيمان: حسناً، أنا أيضاً معكم في هذا الرأي، ولتكن وحدة الكلمة سلاحنا الأمضى في المواجهة..
نجدت: إذن على بركة الله..
ثم تسدل الستائر
* * *
الفصل الثاني
المشهد الأول
الشخصيات التي تظهر في هذا المشهد هي كالتالي:
معروف البرزنجي، نوري جميل الطالباني، رضا الكولاني، عبدالواحد، جلال.
في مكتب رئيس بلدية كركوك، يجلس وراء المكتبة معروف البرزنجي مرتدياً ملابس مدنية وأمامه لوحة صغيرة مكتوب عليها (السيد معروف البرزنجي، رئيس بلدية كركوك) وعلى الجدار خلف المكتبة لوحة كبيرة مكتوب عليها (رئاسة بلدية كركوك).. وهناك لوحة كبيرة الى جانب المكتبة عليها خارطة كبيرة لمدينة كركوك.. أمام المكتبة أريكتان متقابلتان تتوسطهما منضدة صغيرة يتقاسم الجلوس عليهما كل من:
نوري جميل الطالباني بملابس عسكرية ويحمل رتبة ملازم، ورضا الكولاني ويلبس ملابس مدنية (بدلة قطعتين)، وعبدالواحد برتبة ملازم أول، وجلال الذي يلبس الزي الكردي التقليدي ويحمل مسدساً في حزامه ويمثل وكيل الملا البرزاني في كركوك..
البرزنجي: أيها الرفاق الأعزاء، يشرفني أن أقدم لكم ماموستا جلال (ويشير بكفه تجاه الشخص الذي يرتدي الملابس الكردية التقليدية)، ماموستا جلال هو وكيل الزعيم الملا مصطفى البرزاني...
ثم يلتفت تجاه جلال ليكمل:
البرزنجي: ماموستا جلال يشرفني أن أقدم لكم الرفيق الملازم أول عبدالواحد من الفرقة الثانية وقيادي في المقاومة الشعبية، والرفيق الملازم إحتياط نوري الطالباني، والشيخ رضا الكولاني وكيل مدير الأمن في كركوك..
يرحب الحضور بجلال، في حين يستسرد البرزنجي في الكلام وهو يضع يده فوق رزمة كبيرة من الأوراق موضوعة أمامه على المنضدة، قائلاً:
البرزنجي: بالنسبة لنا فقد أكملنا طبع كل المناشير في مطابع البلدية، وهي تتضمن ما قرره الرفاق في الجبهة الوطنية والمقاومة الشعبية من ضرورة زعزعة الموقف الرجعي للتركمان ومن يساندونهم من العرب في كركوك..
نوري الطالباني: نعم علينا إستفزاز هؤلاء الرجعيين ليقوموا برد فعل ما، وإلا فإن كل الجهود التي قمنا بها طيلة أشهر ستذهب سداً..
جلال: وماذا لو لم يظهر لهم رد فعل معين؟
عبدالواحد: أنا أرى بأن لدينا فرصة تاريخية للقضاء على أعداء الثورة من الرجعيين، فالرفاق في بغداد وفروا لنا تغطية في وزارة الدفاع ومديرية الأمن.. وأي تقرير يخص كركوك يمر من تحت أعينهم قبل أن يصل الى مواقع القرار في بغداد، ما الذي نحتاجه أكثر!! الفرقة الثانية تحت قبضة رفاقنا، والرفاق في الحزب الديمقراطي الكردستاني أكملوا كافة الإستعدادات، إذن لنضرب ضربتنا القاضية، وليكن بعدها ما يكون..
الكولاني: أعداء الحزب الديمقراطي الكردستاني يجب أن لا يبيتوا ليلة واحدة مطمأنين، يجب أن يبقى شبح الموت يطاردهم في كل مكان وكل زمان..
البرزنجي: عليكم يا رفاق أن تكونوا دقيقين، فهذا الأمر يحتاج الى التحقق من كافة النتائج والإحتمالات الممكنة، المسألة ليست بهذه البساطة.. هل أنتم واثقون من عدم قدرة الجانب الآخر على قلب الطاولة في آخر لحظة؟
عبدالواحد: التركمان يعيشون في دائرة الخوف والهلع منذ تنفيذ الخطة التي رسمت أثناء فترة تولي الزعيم الركن داود الجنابي قيادة الفرقة الثانية.. فقد تم نفي وسجن وتعذيب معظم قيادييهم.. وتم تفتيش منازلهم بيتاً بيتاً، وتم إخلائها من كل ما يمكن إستخدامه كسلاح، حتى السكاكين تم الإستيلاء عليها..
الكولاني: عطا خيرالله، إنه رأسهم وملهمهم، ما دام حياً فلن نستطيع كسر شوكتهم..
جلال: لقد كان تحت يدك في مديرية الأمن، لماذا أبقيته حياً..
الكولاني: أنا لا أستطيع أن أطلق رصاصة على رأسه في داخل السجن، لقد عذبته بيدي هاتين (يعرض يديه أمامهم بملامح المهووس)، كل مساء كنت أتولى الإشراف على تعذيبه، شوينا ظهره بالجمر ولم ترجف عيناه، رميناه في مكان لا يتسع لنصف إنسان، ولم يشكو بكلمة.. ما الذي كان بإستطاعتي أن أفعله ولم أفعله.. وكأنه مخلوق من الصخر..
نوري الطالباني: إذن علينا أن نفتت هذه الصخرة، ونسحقها، ونذروها في شوارع كركوك..
البرزنجي: جل خوفي أن تتحول كل ذرة من تلك الذرات الى صخرة جديدة، حتى يأتي يوم يقيم فيه التركمان من صخورهم تلك جبلاً لا نقوى على مناطحته..
جلال: قرار قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني واضح.. العمود الذي يقف عليه بيت التركمان يجب أن يتحطم.. حطموه، وإجعلوا منه عبرة لكل تركماني تسول له نفسه الوقوف في وجهنا..
نوري الطالباني: نعم، يجب أن تتحطم صورة عطا خيرالله في نفوس التركمان، يجب أن نريهم ضعفه، وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه، كي يعلموا أن لا منقذ لهم من سطوة الحزب الديمقراطي الكردستاني..
الكولاني: أتوني بدمه أشربه، وبلحمه أكله، لقد حطم هذا الرجعي بتحمله جبروتي وقسوتي، حتى إنني كنت أرى الشماتة واضحة في عيون المراتب في دائرة الأمن بعد كل جلسة تعذيب يخرج منها أقوى وأقدر.. إنني أكرهه أكرهه..
عبدالواحد: لا تهتم أنت يارفيقنا العزيز، سنمسح بجسده شوارع كركوك، وسنفتت كبريائه على الإسفلت..
البرزنجي: ألا تخشون من أن يزرع ذلك حقداً في قلوب التركمان ضدنا، ما رأيكم إذا أكتفينا بتعذيبه وإهانته حتى يفقد مهابته أمام شعبه؟
نوري الطالباني: إذا فعلنا ذلك سنضيع من بين أيدينا فرصة تاريخية قد لا تتكرر، لا تهتم أنت لهؤلاء التركمان فهم مجرد خرفان، حتى أنني أشك أنهم قادرون على الموت من أجل قضيتهم، أو تذكر الذين ضحوا بأرواحهم من أجلهم.. إنهم لا يتقنون غير كتابة الخوريات والجلوس في المقاهي..
جلال: هذه الخوريات هي التي حفظت لهم لغتهم، ومقاهيهم أخطر علينا من الثكنات العسكرية.. فهي نواديهم الثقافية، فيها تتفاعل أفكارهم، ويصوغون مواقفهم..
البرزنجي: هذا الكلام صحيح جداً، لقد عملت جرداً بكبرى مقاهيهم، حيث يلتقي مثقفيهم وفنانيهم، يمجدون تاريخهم، ويصوغون لأنفسهم طريقاً غير الذي يريده الحزب الديمقراطي الكردستاني.. (يرفع ورقة من فوق المنضدة)، وهذه بعض مقاهيهم: مقهى جوت قهوه، مقهى بيات، مقهى 14 تموز، مقهى أصلان يواسي، مقهى المجيدية، مقهى جرت ميداني، ومقهى أحمد آغا، مقهى صولو، مقهى رشيد كوله رضا، مقهى مصلى، مقهى شاطرلو..
جلال: وماذا عن موقف قائد الفرقة الثانية الجديد العميد محمود عبدالرزاق، ألا ترون بأنه يمكن أن يشكل خطورة ما على العملية؟
الملازم أول: أبداً، فالجبهة الوطنية مسيطرة تماماً على الموقف، الأغلبية الساحقة من المراتب هم من رفاقنا، والضباط الفاعلين أيضاً، أما الضباط الذين عليهم علامات إستفهام فهم تحت المراقبة، وسيتم إحتجازهم في الثكنات أثناء العملية..
نوري الطالباني: التركمان يتهيئون للإحتفال بالذكرى الأولى للثورة، فحسب المعلومات فهم يريدون تنظيم مسيرة رسمية من خلال اتحادات العمال ونقابات المحامين والأطباء والموظفين الرسميين..
جلال: هناك تحضيرات أخرى يقوم بها الطلاب والشباب وذوي الأعمال الحرة فهم يريدون تنظيم مسيرة ومظاهرة شعبية كبيرة تلتحق بالمسيرة الرسمية..
البرزنجي: هذا كله يجب أن يوقف، هؤلاء يخططون لإظهار حقيقة الغلبة القومية للتركمان في كركوك، ويريدون أن يكسبوا تضامن الآخرين معهم من خلال التظاهر بالتأييد لحكومة الثورة..
رضا الكولاني: ولماذا توقفونهم، على العكس تماماً، يجب أن تتحرك المسيرتين كما هو مخطط لهما، وعليكم أن تطلقوا شرارة البدء قبل أن تلتحم المسيرتين، وفي خضم الفوضى التي ستعم الشوارع، يمكنكم تنفيذ المخطط المرسوم بالشكل الذي ترونه مناسباً..
وكيل البرزاني: كيف خططتم لتنفيذ ذلك، أعني التفاصيل؟
ينهض نوري الطالباني تجاه الخارطة، ويبدء بالشرح وهو يشير الى أجزائها:
نوري الطالباني: عندما تصل المسيرة الرسمية إلى الجسر القديم في نهاية السوق الكبير وتبدأ في العبور إلى صوب القورية متجهة إلى شارع أطلس، ستكون المسيرة الشعبية قد وصلت إلى نهاية شارع المجيدية، للالتفاف من أمام مبنى مديرية الشرطة بغية دمج المسيرتين في شارع أطلس هذا ما خططوا له.. في هذا التوقيت بالذات ومع وصول المسيرة الرسمية إلى مدخل شارع أطلس في المنطقة الواقعة بين مدرسة المتوسطة الغربية ومقهى 14 تموز، سيطلق أحد الرفاق رصاصة البدء، ثم تليها إطلاق عيارات نارية من بنادق بقية الرفاق.
عبد الواحد: وستقوم مجموعة من رفاقنا في المقاومة الشعبية بإقتحام مركز شرطة إمام قاسم، وتستولي على كل الأسلحة والذخائر، وسيتم توزيعها على الأكراد من أنصار الحزب الديمقراطي الكردستاني..
جلال: مدير شرطة إمام قاسم رجعي وغير متعاون.. قد لا تتمكنون من إقناعه بذلك..
عبدالواحد: سأكسر أضلعه إن حاول المقاومة..
الكولاني: ماذا عن قائمة القيادات الرجعية، عطا خيرالله وجماعته؟
عبدالواحد: قائمة القيادات التركمانية سلمت الى الرفاق في المقاومة الشعبية، وسيتم إنزال العقوبة اللازمة بهم، بعد أن يتم فرض حظر التجوال في شوارع المدينة.. ولكن لدينا مشكلة صغيرة..
جلال: ما هي هذه المشكلة؟
عبدالواحد: العقيد عبدالله عبدالرحمن، لم نستطع إلقاء القبض عليه لحد الآن.. وليس هناك من التركمان من يريد التعاون معنا في ذلك رغم مبلغ المكافأة الكبير الذي رصدته الجبهة الوطنية لمن يبلغ عنه..
نوري الطالباني: أنا أعتقد أن هذا الشخص قد هرب خارج كركوك منذ فترة طويلة، عموماً فهو لا يستطيع أن يقوم بأي شيء، وفي حالة إلقاء القبض عليه سيأخذ جزاءه مع بقية القياديين..
عبدالواحد: ما رأيكم يا رفاق في المخطط..
البرزنجي: جيد أنا موافق..
نوري الطالباني: أنا أويد ما تم التخطيط له..
وكيل البرزاني: تمنياتي لكم بالموفقية.
ثم تلغى الإنارة
المشهد الثاني
الشخصيات التي تظهر في هذا المشهد هي كالتالي:
المختار، الدكتور إحسان، عبدالله الحلاق، عثمان الجايجي، عطا خيرالله، عبدالله عبدالرحمن، ابو نجدت، مهدي، نجدت.
الهدوء يسود المكان، والغرفة التي فيها سرير ابو نجدت إضائتها خافتة، وهناك مجموعة من الرجال يرتدون الزي التركماني التقليدي ويطغى على ملابسهم اللون الأزرق الفاتح، يجلسون على الأريكتين المتقابلتين أمام السرير..
المختار: لقد تأخر أبو فاروق.. إنني قلق بشأنه..
الدكتور إحسان: لقد أصدرت الجبهة الوطنية بياناً يتضمن الوعد بدفع مبلغ ألفي دينار لمن يلقي القبض عليه..
الحلاق: هل هذا الكلام معقول ياناس.. جبهة غير شرعية معادية للوطن ومتآمرة على وحدته تريد إلقاء القبض على مدير إدارة الفرقة الثانية وهو برتبة عقيد في الجيش العراقي!!
الجايجي: نعم مادام تركمانياً فهذا معقول لديهم.. ولا تنسى يا عبدالله أن الجبهة اللاوطنية قد سيطرت على قيادة الفرقة الثانية سيطرة تامة.
عطا خيرالله: أنا أعرف أبا فاروق فهو رجل المهمات الصعبة، ولن يكون صعباً عليه أن يصل الينا هنا بين أهلنا، إصبروا قليلاً، وإلتزموا برباطة الجأش ياأخوتي..
وقبل أن يكمل كلامه.. دخل نجدت ومعه مهدي الصالة مسرعين:
نجدت: لقد وصل العم عبدالله يابيك..
إرتسمت الفرحة على وجوه الجميع.. وبعد لحظات يدخل عبدالله عبدالرحمن مرتدياً الزي التركماني التقليدي، فينهض الجميع ويعانقوه مهنئين له بالسلامة...
عطا خيرالله: والله إن الزي التركماني يليق على كتفيك أكثر من البدلة العسكرية يا ابا فاروق..
عبدالله عبدالرحمن وهو يلمس سترته: هذا هو مرجعنا وحصننا مهما بعدنا، وعندما يجد الجد يعرف التركماني أن لا بديل له عن أهله وأصالتهم ونقائهم..
ثم يسترسل في حديثه وهو يشير الى أوراق يخرجها من جيب سترته:
عبدالله عبدالرحمن: أنظروا كيف ينشر أعداء العراق والتركمان المناشير على أتباعهم، إقرءوا كيف يأمرونهم بإستفزاز التركمان والعرب في كركوك...
ثم يوزع المنشورات على الحاضرين الذين يبدءون قرائتها وعلامات القلق واضحة على وجوههم وحركاتهم..
الحلاق: يا ناس يا عالم، أنا لم أعد أصدق ما أرى وأسمع، أين هي الحكومة، أين الدولة، هل أصبح البلد تحت رحمة الفوضويين والإنفصاليين، هكذا بكل سهولة؟
عبدالله عبدالرحمن: هذه المناشير وغيرها وصلت إلى مديريات الأمن، وحسب علمي فإنها سلمت إلى عبدالكريم قاسم والحاكم العسكري العام... ولكنهما وللأسف وكما يبدو لم يأبها وليس في نيتهما أن يحركا أي ساكن!
عطا خيرالله: أنتم تعرفون بأن الجيش قد أغلق جميع الطرق المؤدية إلى المدينة عدا طريق السليمانية.. إنها خطة قذرة ومكشوفة، يهدفون من خلالها فسح المجال لدخول جماعات الفوضويين والانفصاليين إلى كركوك عند الحاجة.
المختار: بعض الأصدقاء الثقات أخبروني بأن خائن كركوك رئيس البلدية المجرم البرزنجي، قد نصح أصدقائه المقربين من الأكراد بضرورة مغادرة عوائلهم خارج كركوك قبل الرابع عشر من تموز.
الحلاق: كل هذه المؤامرات من تحت رأس المجرم داود الجنابي، الله ينتقم منه ومن الجنابيين..
يقاطعه عبدالله عبدالرحمن بشدة:
عبدالله عبدالرحمن: لا يا أخي عبدالله، لا تطلق اللعنات جزافاً، ولا تخلط الحابل بالنابل، داود الجنابي وامثاله لا يمثلون إلا أنفسهم المريضة المجرمة.. في نفس الفرقة الثانية لديّ صديق شهم وأصيل إسمه العقيد الركن إسماعيل حمودي الجنابي وهو ضابط الركن الأول للفرقة، هذا الإنسان شريف ومحب للعراق وشعبه، ومتعاطف مع كركوك وأهلها الأصلاء، وقد كان ممتعضاً من كل التصرفات التي أقدم عليها داود وزمرته من الشيوعيين والإنفصاليين.. وهو كما ذكرت لك جنابي ينتمي الى نفس القبيلة التي ينتمي اليها داود الجنابي، ولكن شتان ما بين الإثنين.. والأكراد هم أيضاً أخوتنا تقاسمنا معهم الحلو والمر لقرون عديدة، وإن كان فيهم بعض ضعاف النفوس والماشين في ركب أعداء العراق، فهذا لا يعني أن ندوس على تاريخنا المشترك، فلا يزال فيهم أغلبية طيبة محبة للخير يروننا كما نراهم أخوة تجمعنا الجيرة والعقيدة والوطن..
الجايجي: هذا البرزنجي أخزاه الله تعالى فعل أكثر من ذلك بكثير، أصدقاء أكراد ثقات من أهل كركوك الأصلاء أخبروني بأنه يشرف على تخزين معدات عسكرية، يكدس الملابس الرسمية ويخزن الأسلحة الخفيفة..
دكتور إحسان: لاحظوا أن هذه البيانات وكل البيانات التي تصدرتها الجبهة الوطنية تطبع بالمطبعة العائدة إلى رئاسة البلدية وبأمر من رئيسها البرزنجي.. ولقد خصص صفحات جريدة كاوور باغي التي تصدرها رئاسة البلدية لأغراض الجبهة ولمصلحتها الخاصة.
المختار: يجب أن لا يفوتكم شيء آخر مهم، أعني وفود العشائر الكردية التي دخلت إلى كركوك قبل يوم 12 تموز باسم المنظمات الشعبية والجمعيات الفلاحية بقصد الاشتراك في ذكرى مذبحة كاوور باغي، تلك الوفود لم تغادر المدينة ولحد هذه الساعة، لأي شيء يريدون إستعمال هؤلاء!
عبدالله عبدالرحمن: ما رأيك بما سمعت يا عطا بيك؟
عطا خيرالله: رأيي والرأي لكم يا إخوتي، بأن هناك مؤامرة واضحة، وأعداء العراق يخططون لجريمة بشعة بحق كركوك واهلها، هذه الجريمة مخطط لها بإحكام، ويبدو أنه لم يبقى أمامنا غير المواجهة..
الحلاق: نعم يا بيك أفندي، سلم لسانك، كل رجل يقتل منا نقتل مكانه عشرة.. حتى يعرفوا من هم التركمان.
عطا خيرالله يهز رأسه بالنفي وهو يجيب عبدالل الحلاق:
عطا خيرالله: لا يا أخي عبدالله، لن نقتل أحداً ولن نمد أيدينا الى رقبة احد، فلسنا ممتهني قتل وليست لدينا سوابق في الإجرام، سنترك شرف السبق لهم فهم يمتهنون مثل هذه القذارات..
الجايجي: وهل سنتركهم يعبثوا بمستقبل مدينتنا وارواح أبنائنا ونلتزم الصمت يا بيك؟
عطا خيرالله: إسمعوا يا إخوتي، المثل التركماني يقول: "أنفاس الحقيقة تذيب جبلاً، ونيران الكذب تعجز عن إذابة السمن".. ونحن لنا في رسول الله أسوة حسنة، فكما واجه عليه الصلاة والسلام إساءات كفار مكة بأخلاقه العظيمة وصبره الكبير، سنواجه غوغاء هؤلاء بنقائنا، نواجه جزعهم برباطة جأشنا، نواجه كذبهم بصدقنا، نواجه عجالتهم الشر بصبرنا وسننتصر لأن الله مع الصابرين..
لن نبدئهم، فإن بدؤنا سندفع شرهم عنا وليس أكثر، إنهم يظنون أن كيدهم قد تم وأنهم سيخطفون هذه الأرض من أهلها في غفلة من التاريخ، ولو كانت لديهم ذرة حكمة في رؤوسهم لعرفوا أن التاريخ لا يمكن محوه وإلغائه بمثل هذه المكائد الرخيصة، لأن كيد الله تعالى أعظم، ولا يضيع حق وراءه مطالب..
ثم يلتفت نحو عبدالله عبدالرحمن ليكمل:
عطا خيرالله: أخي أبا فاروق عليك أن تبقى بعيداً عن قبضة الأشرار، فإن حدث شيء ما غداً لا سامح الله تعالى، فأنت الوحيد الذي سيتمكن من إيصال الحقيقة الى العالم..
أنظروا يا أخوتي كم نحن بحاجة في هذه الأيام العصيبة الى مؤسسة تركمانية نقية في بغداد توصل صوتنا ومظلوميتنا الى العالم، كان لا بد لنا أن نفكر في هذا الأمر منذ زمن طويل.. إن أعطانا الله تعالى عمراً جديداً وخاب كيد الأشرار، فإن أول عمل سنقوم به هو تشكيل تلك المؤسسة، لا تنسوا هذا الأمر يا أخوتي، عليكم أن تسموها بدار الأخاء التركماني، فالأخاء طبعنا نحن التركمان وهو العنوان الدال علينا.. غداً سنحتفل بالذكرى الأولى للثورة كأحسن ما يكون الإحتفال، لأننا لا ننتمي الى نظام ما، نحن ننتمي الى العراق ورغبتنا لا تتقاطع مع رغبة الشعب العراقي الذي ننتمي اليه بكل فخر وإعتزاز.. فإن كان مقدراً علينا أن ندفع تضحية ما في سبيل العراق وكركوك فسنقدمها بكل رضى وطمأنينة، لأننا واثقين من عدالة موقفنا، وقوة إيماننا.
ثم يردد بصوت جهور ويردد معه الآخرون:
عاش العراق الواحد..
عاشت كركوك قلب العراق..
ثم تلغى الإنارة..
المشهد الثالث
الشخصيات التي تظهر في هذا المشهد هي كالتالي:
عثمان الجايجي، عبدالله الحلاق، التاجر، مهدي، زينب، إيمان، شخص بالزي الكردي، عطا خيرالله، إحسان خيرالله، المختار، ابو مهدي... وشخصيات ثانوية أخرى.
بعد إلغاء الإنارة للحظات ضمن نفس المشهد تظهر الشخصيات التالية:
نجدت، زينب، إيمان، أم نجدت، أبو نجدت، عبدالله عبدالرحمن، الدرويش، الراوي...
شعارات ولافتات ذات مضمون وطني تملئ واجهة مقهى 14 تموز.. عثمان صاحب المقهى مشغول بتزيين القوس الذي صنعه ووضعه أمام المقهى إحتفالاً بعيد الثورة.. مجموعة صغيرة من النساء والرجال التركمان يتواجدون أمام المقهى بإنتظار المسيرة..
ينتهي عثمان من تزيين القوس.. ثم يطلب من عبدالله مساعدته لتقديم الشربت للحضور..
عبدالله الحلاق يقدم الشربت للتاجر الذي يبادر قائلاً:
التاجر: إسمع يا عبدالله، لديّ كلام يجب أن أقوله لك..
الحلاق: وما الذي يمنعك، قل ما تريد، ولكن بسرعة فأنت ترى كم أنا مشغول..
التاجر: أريد أن أعتذر منك يا أخي إن كان بدر مني كلام أو موقف أزعجك.. لا أعرف، ولكنني أحس منذ صباح اليوم أن شيئاً ما يلح عليّ بأن أعتذر منك..
الحلاق يربت على كتف التاجر ويجيبه قائلاً:
الحلاق: لا تهتم يا أخي، أنا قلبي أبيض مثل المنديل الذي في جيب سترتك.. أشرب الشربت فبعد لحظات ستصل المسيرة وننضم اليها جميعاً.. فاليوم عرسنا يا أخي..
التاجر: نعم، إنه عرسنا..
الجايجي: كم الساعة الآن يا مهدي؟
مهدي: الساعة الرابعة مساءاً..
التاجر: هذا هو موعد وصول المسيرة..
يتفاجئ الجميع بمرور سيارة عسكرية (صوت السيارة)، تصدر منها شعارات معادية للتركمان ومؤيدة للجبهة الوطنية المقاومة الشعبية..
بعدها تظهر مجموعة من الأشخاص يلبسون الزي الكردي التقليدي ويتجهون الى مقهى 14 تموز ويطلب أحدهم من عثمان الجايجي إزالة اللافتات والشعارات الوطنية من أمام المحل:
الجايجي: ولماذا أزيل الشعارات واللافتات، إنها شعارات وطنية تدعو للأخوة وتمجد الثورة وزعيمها؟!
الكردي: نحن لا نفهم هذا الكلام.. هذه الشعارات واللافتات يجب إزالتها فوراً..
الجايجي: وإذا لم ارفعها ما تفعلون؟
الكردي: حينها سترى ما نفعل..
التاجر: إهدئوا يا أخوان، هناك سوء فهم بالتأكيد.
يقاطعه الكردي بصلافة وعنف مهدداً:
أنت لا تتدخل يا هذا.. وإلا سترى ما لا يرضيك..
الحلاق ومهدي يحاولان التدخل ولكن زينب والتاجر يمنعانهما..
ثم تتحرك المجموعة نحو الجانب الأيسر للمسرح لتراقب المقهى من هناك.. عثمان الجايجي والتاجر يبدءان برفع الشعارات بينما عبدالله الحلاق يعترض قائلاً:
الحلاق: لماذا علينا أن نسمع ما يقوله هؤلاء الأوغاد، هذه الشعارات وطنية وليس فيها ما يعيب!
التاجر: يا أخي عبدالله، هذه حجتهم ونريد أن نردها ونرى ما هي النهاية معهم..
الحلاق: هل إقتنعت أخيراً بأن هؤلاء يريدون الشر بنا؟
التاجر: نعم أنا مقتنع الآن، ولكن علينا أن نتحلى بالحكمة حتى النهاية..
الحلاق يهز رأسه متعجباً من كلام التاجر..
الجايجي: والله يا أخوتي هؤلاء لا تفيد معهم لا الحكمة ولا غيرها، الشر والكراهية تطفح من عيونهم، ولله الأمر من قبل ومن بعد..
في تلك الأثناء تحدث حركة وجلبة في وسط المجموعة، ثم تدوي صوت إطلاقة نارية.. فيشهر أعضاء المجموعة من تحت ملابسهم العصي والقامات والحبال وبعضهم يحمل المسدسات.. ويبدؤن بالصراخ والركض تجاه المقهى.. أصوات إطلاقات نارية تسبقهم الى المقهى.. تلتف المجموعة حول عثمان الجايجي ويبدؤن بضربه بالعصي وطعنه بالقامات.. وهو يقاومهم بيديه ببسالة..
إثنان آخران من المجموعة يهاجمان عبدالله الحلاق والتاجر في حين هما يسندان ظهريهما الى بعضهما ويبدءان بالدفاع عن نفسيهما ببسالة..
مهدي يبعد زينب وإيمان من المكان ثم يركض ليدافع عن عثمان، ولكنه يتلقى طعنات في صدره ويسقط الى جانب عثمان.. ويطلق أحدهم عدة رصاصات من مسدسه على رأس عثمان ومهدي..
عبدالله الحلاق والتاجر، هما الآخران يقعان صريعين تحت رصاص المسدسات..
في تلك اللحظة تظهر بداية المسيرة التركمانية يتقدمها عطا بيك خيرالله والدكتور إحسان خيرالله والمختار وأبو مهدي ومجموعة أخرى تحمل اللافتات وصور عبدالكريم قاسم، فتهجم عليهم المجموعة التي قتلت عثمان الجايجي ورفاقه.. تتبعهم مجموعة أخرى من لمقاومة الشعبية تدخل من يسار المسرح وتبدء بإطلاق النار تجاه المسيرة، فتحدث بلبلة وصراخ واصوات إطلاقات نارية وحركة ضوئية سريعة..
ثم تلغى الإنارة للحظات لتعود ثانية..
فتظهر جثث الشهداء التركمان وهي تملئ المسرح مع موسيقى حزينة خافتة.. بعد لحظات يدخل نجدت من الجانب الأيمن للمسرح ويتبعه مجموعة من الشباب.. ومن الجانب الأيسر للمسرح تدخل زينب وتتبعها إيمان وأم نجدت، ومجموعة أخرى من الفتيات.. يتفقد الجميع جثث الشهداء، ويبدؤن بالبكاء عليهم..
في تلك اللحظات ينطلق صوت إذاعة بغداد من راديو المقهى واضحا وعالياً:
ـ هنا إذاعة بغداد... (مع موسيقى مناسبة)...
ثم يدخل الدرويش حسين ويتحرك بين جثث الشهداء، ويواسي نجدت وزينب وبقية الحضور.. ثم يتوجه نحو مقدمة المسرح وهو يصيح باكياً:
الدرويش: لقد قتلوا الحمام، قتلوها... قتلوها.... (ثم يبرك على ركبته)..
وبعد لحظات ينهض ليصيح ثانية وهو يغادر المسرح:
الدرويش: حيّ هو الحي، طريقه المحبة، وأهله أهل الصدق والقلوب الرحيمة..
ثم تلغى الإنارة.. مع ملاحظة أن الفاصلة الزمنية بين المشهدين الثالث والرابع قصيرة...
المشهد الرابع
محتويات المقهى كلها مصبوغة باللون الأبيض، وبموازاتها هناك محتويات جديدة.. الطاولتان والكراسي هي الأخرى مصبوغة باللون الأبيض، والى جانبها هناك طاولتان جديدتان وكراسي..
عثمان الجايجي يقف عند الراديو المصبوغ بالأبيض، مرتدياً الزي التركماني باللون الأبيض.. وهو يحاول أن يثبت موجة الراديو..
وعند المصطبة الثانية الجديدة، هناك جايجي ثاني يرتب قوارير الشاي..
في الجانب الأيسر من المسرح في الزاوية الداخلية، محتويات دكان الحلاقة كلها مصبوغة باللون الأبيض، وبجانب كرسي الحلاق يظهر عبدالله الحلاق، مرتديا ملابس بيضاء (بنطلون وقميص فوقه معطف الحلاقين) وهو مشغول بحلاقة زبون بملابس بيضاء أيضاً.. بجانبه هناك مرآة جديدة وكرسي آخر.. يظهر عنده حلاق جديد مشغول بحلاقة زبونه..
يتقاسم الجلوس على كراسي طاولتي المقهى المصبوغة جميعا باللون الأبيض: المختار مرتديا الزي التركماني ، وبجانبه يجلس التاجر، وعطا خيرالله، وإحسان خيرالله، وعلى الطاولة الثانية يجلس مهدي ووالده وشخص آخر.. الجميع يرتدون ملابس بيضاء..
وبجانب الطاولتين هناك طاولتان جديدتان يتقاسم الجلوس عليهما، نجدت، وأبو نجدت، وعبدالله عبدالرحمن ومجموعة أخرى الى جانبهم.. الجميع يلبسون الزي التركماني التقليدي..
يدخل الدرويش حسين من يمين المسرح مردداً:
الدرويش: حيّ هو الحي، طريقه المحبة، وأهله أهل الصدق والقلوب الرحيمة..
يحي الجميع (ذوو الملابس البيضاء والملابس الإعتيادية) بالدرويش حسين..
ثم يدخل الراوي أمين بعد لحظات.. فتتوقف المجموعة التي تلبس الملابس الإعتيادية عند آخر حركة لكل منهم..
الراوي يقترب من الدرويش الذي يقف بالقرب من مقدمة المسرح قائلاً:
الراوي: إذن هكذا إنتهى كل شيء، يادرويش حسين.. الدماء البريئة أسيلت، وزهقت أرواح الأبرياء بلا حق، وعاد التركمان الى سباتهم كما كانوا؟!
الدرويش يمسك بذراع أمين، ويتوجه معه نحو مقدمة المسرح:
الدرويش: كلا يا أمين.. فها هي أرواح الشهداء (يشير الى المجموعة التي ترتدي الملابس البيضاء) تملئ ساحات كركوك وأزقتها، وتأبى أن تغادرها حتى تعود كركوك تنشد نشيد المحبة بلغة تركمانية فصيحة.. ومن قال لك يا أخي أن كل شيء إنتهى، فقوافل الشهداء لن تتوقف.. فلا زالت العقبان تحوم حول كركوك، وحمائم كركوك خلفت صقوراً ستدافع بشراسة عن حمى كركوك وتركمن ايلي وكل العراق..
ثم يكمل... هيا بنا يا أمين نترك المكان مؤقتاً ولنا اليها عودة أخرى مع جيل جديد، وكوكبة أخرى من شهداء الكرامة، شهداء الأمة التركمانية العظيمة...
يغادر الدرويش والراوي المسرح.. فتستأنف المجموعة الثانية حركتها ثانية..
الراديو يبدء ببث أنشودة.. بغداد والشعراء والصور ذهب الزمان وضوئه العطر... للحظات.. ثم يتوقف البث.. فيتوجه الجايجي الثاني نحو الراديو ويحاول تثبيت الموجة على إذاعة بغداد ثانية ولكنه لا يفلح.. ثم يردد الجايجي:
الجايجي: أمر غريب لقد إنقطع البث، ما بال بغداد وكأنها نسيت كركوك ثانية... الله يستر من تاليها..
في تلك الأثناء تحدث حركة سريعة في الإضاءة (إطفاء وإشعال) وتدوي أصوات غوغاء وإطلاقات نارية في أرجاء المسرح...
ثم تسدل الستائر
إنتهت..
لا يسمح بالنقل أو الإقتباس دون ذكر المصدر
العودة الى الرئيسية |