|
عندما يكون الكلام في مصير أمّة، فإن الركون الى الاستعارة والتشبيه بدلاً من تسمية الأمور بأسمائها بحجة اللياقة، يكون ضرباً من التضليل على حساب الوعي العام، الذي هو مسئوليتنا وهدفنا جميعاً أو من المفترض أن يكون كذلك.
يبدو أن الأحزاب التركمانية بدأت تواجه نوعاً من أزمات إعادة التسلسل (أي من سيكون في المقدمة ومن في المؤخرة) والتي ترقى بدورها الى مستوى أزمة الشرعية، وإن كنا لا نحبذ تسميتها بهذا الإسم.. وإعادة تقييم جدوى تواجد كلّ منها على الساحة السياسية، تركمانياً وعراقياً، وهذا ليس تكهناً بل عبر قراءة متأنية لتطور تلك التشكيلات السياسية، وإنجازاتها ومدى إختراقها للشارع السياسي وقدرتها على خلق بؤر إستقطاب فكرية وإجتماعية ناهيك عن الإستقطاب السياسي.
وإعادة التسلسل هذه ليست مهمة تتبناها جهة معينة، بل هي آلية أشبه ما تكون بالإنتقاء الطبيعي (البقاء للأصلح) وبالحتمية التاريخية التي لا تختلف كثيراً في هذا المنحى عن الإنتقاء الطبيعي. وتتضح صورة هذه الحتمية عندما نعرف أن المبررات التي شرعنت وجود هذا الكم الكبير من الأحزاب، قياساً بالقابلية الإستيعابية للشارع التركماني، هذه المبررات قد إنتفت أو هي في طريقها الى الإنتفاء في ظل الإنفتاح السياسي والإجتماعي والإقتصادي الذي يشهده العراق الجديد، والذي من المؤمل أن يتخذ خطوات جبارة في إتجاه تثبيت منجزاته مستقبلاً. ولن يمر وقت طويل في رأينا، حتى تجد معظم الأحزاب التركمانية الحالية نفسها أمام ثلاثة خيارات لا رابع لها:
ـ أن تندمج أو تتحد أو تنضوي تلك الأحزاب مع بعضها البعض أو تحت مظلة جامعة، وهذا قد ثبت فشله بغياب أية إمكانية لتنازل أي رئيس حزب عن موقعه القيادي، وبسبب تفشي حالة من قصر النظر الذي لا يفيد معه أي نوع من أنواع العدسات.
ـ الخيار الثاني هو الإنسحاب الإجباري من الساحة السياسية أو الإنزواء بعيداً، إنتظاراً لفرصة إنطلاق جديدة قد لا تأتي أبداً..
ـ أما الخيار الثالث فهو "قلب المائدة".. أي تبني سياسة المعتدلين الذين يحاولون جني ثمار تشدد المتشددين.. ويعني مغازلة الطرف المناوئ تمهيداً للإرتماء النهائي في أحضانه، وأملاً في خلق مساحة جديدة للأستمرار حتى وإن كانت في الضفة المواجهة..
هذه القبعة لم تعد تناسبك ياصاحبي..
كانت المظلومية في السابق مبرراً مقبولاً وكافياً لقيام حزب أو حركة سياسية في العراق، اما اليوم فقد بات من الصعب إثبات تلك المظلومية في ظل حكومة وطنية بغض النظر عن مستوى التمثيل التركماني فيها، ففي حين كان مجرد إستقبال رئيس وزراء الحكومة العراقية أو رئيس الجمهورية لوفد يمثل التركمان في العهد البعثي الفاشي حلماً من المستحيل تحقيقه، بات لدينا اليوم بالإضافة الى ذلك شخصيات سياسية في قلب المؤسسات الحكومية ونواب فاعلين في البرلمان ناهيك عن كبار الموظفين في مختلف دوائر الدولة. إذن كيف نثبت هذه المظلومية، في حين أن واحدة من أهم قضايانا المركزية وهي قضية كركوك بات يتبناها الخط الفاعل في هيكلية الحكومة العراقية! بالإضافة الى أن موضوع المظلومية التركمانية والمآسي التي مرت على شعبنا رغم واقعيتها إلا أنها ومع الأسف لم تحظى منذ البداية بالإهتمام اللازم توثيقاً وتدويلاً بسبب ضعف الإعلام الذي رافق ولا يزال القضية التركمانية بشقيها السياسي والفكري، لذلك فالتعويل على تلك المظلومية أشبه بالأنتحار السياسي، لأنها غير قادرة بالمرة على كسب تعاطف عراقي أكبر مما حظيت به تفاصيلها عراقياً الى حد هذا اليوم، وهي غير قادرة على إستقطاب أي إهتمام عالمي مؤثر مقارنة بقضايا الشرائح العراقية الكبيرة الأخرى. وحتى قضية كركوك التي كان من المؤمل أن يساعد تدويلها على تدويل القضية التركمانية أو تسليط الضوء عليها عالمياً ستأخذ عناوينها في المستقبل القريب إن لم تأخذ اليوم إطاراً آخر لا يشكل التركمان وقضيتهم فيه سوى لاعب ثانوي، فمع بوادر إتحاد عرب العراق من سنة وشيعة (حوالي 75% من مجموع السكان) حيال مستقبل كركوك سيجعل من العرب والأكراد لاعبين أساسين في إدارة هذه القضية. إذن كيف ستتمكن هذه الأحزاب من تحريك الشارع التركماني، وبأية الية إستراتيجية أو تكتيكية يمكنها إستقطاب مجتمع هو في الأساس عازف عن المشاركة السياسية؟
حتى "الإنحياز الثقافي" الذي يشير إلى منظومة القيم والمعتقدات المشتركة، لا يمكن اللجوء اليه لتحريك مجتمع منقسم مناصفة الى مذهبين كحالة المجتمع التركماني، فهو من الخطورة بمكان يجعل مجرد التفكير فيه تكريساً للإنقسام الطائفي، ونتائجها ليست بعيدة عن ذاكرتنا في تلعفر. إضافة الى أن طبيعة الصراع في المناطق التي يتركز فيها وجود التركمان ذات بعد قومي، ومن الصعب جداً تحوّله الى صراع طائفي، لغياب أسباب ظهور مثل هذا الصراع، عموماً لو قدّر وأن تغيرت وجهة الصراع في شمال العراق الى صراع طائفي سيكون التركمان أول الخاسرين إن لم يكونوا الخاسر الوحيد.
إذن ليس هناك من شيء يمكنه أن يطمئننا ويدعونا الى التفائل بمستقبل العمل السياسي التركماني، فالقضية التركمانية في الأساس اصبحت تعاني من الفضفضة والهلامية في ظل السياسات السلبية التي إنتهجتها "أحزاب الواجهة" كما نفضل تسميتها، وعلى رأسها الجبهة التركمانية العراقية، التي لا نفهم سبب الإصرار على إستمرار تسميتها بالجبهة رغم أنه ليست هناك لا جبهة ولا هم يحزنون، فحتى الأحزاب المنضوية تحت جناحها باتت مستاءة الى أبعد الحدود، بل صارت أقرب الى الإنفكاك النهائي، ولولا حرص البعض على وحدة الكلمة، وحرص البعض الآخر على المنح المالية لرأينا كيف سينفض الجميع من تحت عباءة الجبهة ولن يبقى هناك غير الدكتور سعدالدين وسائقه الشخصي.. وهذه نتيجة لثلاث أسباب جوهرية:
1ـ الفشل في خلق رأي عام تركماني متفاعل ومنحاز بشكل متحمس للمواقف التي تتخذها تلك الأحزاب. ويمكننا أن نرجئ أسباب هذا الفشل هو الآخر الى سببين جوهريين:
أـ ضعف الخطاب السياسي: وهو أحد أهم نتائج غياب النص الفكري المؤسس للقضية التركمانية، مما جعلها قضية بلا هدف واضح أو ثابت، ويتجلى تأثير ذلك في عدم قدرة الأحزاب التركمانية على تبني سياسة المبادرة، فهم جميعاً من رواد مدرسة رد الفعل التي أثبتت فشلها لبقاء المبادرة بيد الطرف المناوئ دائماً.
ب ـ عدم وجود شخصية محورية بارزة يمكنها التأثير على الشارع التركماني بكارزميتها قبل تنظيمها السياسي: وأسباب ذلك كثيرة، فنتيجة القمع الوحشي والصهر المبرمج للشخصية التركمانية في عهد النظام البعثي البائد إستحالت أية إمكانية لظهور قيادات تقليدية كالتي موجودة لدى العرب السنة والعرب الشيعة والأكراد، ولتأخر التركمان كثيراً في تنظيم الحركات والأحزاب السياسية كحال بقية فئات العراق الكبيرة التي ظهرت لها تنظيماتها الفاعلة منذ ستينيات القرن الماضي، جعل من الصعب ظهور قيادات قانونية تستمد مشروعيتها من تاريخها التنظيمي، علاوة على أن الظروف التي تخلق مثل هذه القيادات في المجتمعات شروطها غير متوفرة حالياً في الساحة التركمانية وحتى العراقية.
2ـ الإعتماد على قاعدة رد الفعل وإنعدام روح المبادرة: وسببها عدم وجود إستراتيجية واضحة لخلق أو تحديد الأهداف العامة، التي تخلق بدورها سبل المبادرة وتفرض على المؤمنين بتلك الإهداف حيازة السبق في الطرح والأخذ بزمام الحدث. وبدلا من ذلك نرى الأحزاب السياسية غارقة في فوضى التكتيكات الغير مستندة على إسترتيجية واضحة، والتي تشبه إطلاق السهام في الهواء بلا هدف.
3ـ عقدة البقاء في المقدمة، وهي وإن كانت حالة نفسية إنسانية مفهومة، ولكن يجب أن تقترن بشرط المصلحة القومية التي إن تم تجاوزها فإنها ستسلخ الكيانات التي يصر أصحاب تلك العقدة على حيازتهم الرقم واحد ضمن تشكيلة الفريق ستفقد في النهاية شرعيتها لا محالة.. فنحن لا نفهم على سبيل المثال أي سبب مقنع لظهور حزب القرار التركماني! ولا يمكننا أن نرجئه الى أي سبب ممكن إلا لتك العقدة التي حملت برئيس الجبهة التركمانية السابق الدكتور فاروق عبدالله على الإنفصال عن الجبهة بعد خسارته لمنصب رئاسة الجبهة.. إذن طوال تلك الفترة التي قاد فيها الدكتور فاروق الجبهة فإنه أما كان غير مؤمن بما يقود أو أن الرجل كان في الجبهة حصراً لتولي رئاستها.. وغير ذلك من المناصب أو المهام التي يجب أن يشكر عليها كل عامل في الجبهة بدءاً من الجايجي والمنظف الى الحراس وبقية الوظائف لا تليق بالدكتور وجماعته.. ومالذي حققه الدكتور فاروق من منافع للقضية التركمانية من ذلك الإنشقاق؟ لا شيء! ولا أذكر شخصياً غير أن الرجل أعلن مستشاراً لرئيس الوزراء العراقي قبل أيام من موعد زيارة الأخير الى تركيا في العام الماضي، وبعدها لم نسمع عن منصب المستشارية شيئاً!!
هنا ذكرت حزب القرار والدكتور فاروق عبدالله كمثال لعدة حالات يعرفها القاصي والداني، والإنتخابات الأخيرة لرئاسة الجبهة ليست ببعدية ويذكر الجميع المهازل التي حصلت خلالها والتشبث المخزي للدكتور سعدالدين بمنصب الرئاسة.. وحزب تركمن ايلي ورئيسه ليس بعدياً هو الآخر عن هذه العقدة، ويكفي للقارء العودة الى كتاب التاريخ السياسي لتركمان العراق للأستاذ عزيز صمانجي ليعرف كيف أصبح السيد صاري كهية رئيساً لحزب تركمن ايلي وهو باق في هذا المنصب حتى ظهور المهدي..
إذن اين التهميش الذي لا يفارق موائدنا ليل نهار؟ ومن هو المسبب الحقيقي لهذا التهميش؟ هل هم الأكراد مثلاً؟ ماذا يستيطع الكردي أن يفعل لحركة سياسية جبارة جارفة بقدرتها تحريك مئات الألوف من البشر؟ أم أن حجة الأكراد لدى أحزابنا صارت كحجة إسرائيل لدى الحكومات العربية المستبدة!
ملخص القول.. هناك فشل ذريع على مستوى العمل السياسي التركماني سببه الرئيسي هم الساسة التركمان، وليس هناك أي سبب خارجي كما يحاول بعض النفعيين الترويج له. أنظروا الى مواقف هذه الأحزاب من الإنتخابات المحلية المقبلة، وعدد القوائم التي سيجد المواطن التركماني نفسه أمامها يوم الإنتخاب وستعرفون حجم المهزلة.. هناك تضليل تقوم به الأحزاب التركمانية "الأصيلة" تستهدف الوعي الجماعي، لم يعد بالإمكان التغاضي عنه أو إخفائه، لأنه تجاوز حتى حدود التضليل الى الكذب والغش والخداع، وكل ذلك لتحقيق مكاسب مادية أو منافع شخصية سطحية ساذجة لا قيمة لها تذكر مقارنة بما يخسره التركمان يوماً أثر يوم من إمكانية نجاح مشروعهم القومي الذي يعيد اليهم ولو جزءاً من حقوقهم المسلوبة.
ويبدو أن الأخوة الأكراد كانوا منتبهين الى كل ذلك من البداية، أعني حجم أحزابنا وسياسيينا، وقد ترجم السيد جلال طالباني لنا مشكوراً في زيارته ما قبل الأخيرة الى كركوك ما يحمله السياسيون الأكراد من أهمية للشعب التركماني وخاصة في كركوك، فما كنا نظنه حقاً دستورياً لم يكن كذلك أبداً! لأن الحق الدستوري لا يعطى بجرة قلم وفي موقف إرتجالي كما فعل سيادته حين أعطى للغتنا التركمانية مكاناً في لوحات الدلالة في مدينة كركوك.. العم جلال أعطانا رسالة واضحة من خلال ذلك، فالرجل الذي يحاول أن يمرر مشروعه الخاص بالتصالح "ليس مع التركمان أرجو الإنتباه" بل مع الشقيقة تركيا، أراد أن يترك صديقه الرئيس التركي عبدالله كول يتلهى بقراءة تلك اللوحات في زيارته المرتقبة الى كركوك.. من يدري يمكن أن ترفع تلك اللوحات بعد عودة عبدالله كول، فما يعطى بجرة قلم يمكن أن يسلب بجرة قلم أيضاً.. والدليل هو أن الأكراد لو كانوا مؤمنين بحقوق التركمان لأضافوا التركمانية الى لوحات الدلالة وغيرها في أربيل التي يقطنها 300 الف تركماني حسبما يورد الاكراد أنفسهم..
|