|
بدى وكأنه يختلس النظر يمنة ويسرة حين راح يتفحص متنيه، هزهما هزاً خفيفاً ليتأكد من أن بدلته الزيتوني الجديدة تظهر متنيه بالإرتفاع المطلوب، ثم تلمس قراب مسدسه عند خاصرته اليسرى وهزها دافعاً نهاية مقبض المسدس الى الأعلى لكي يتأكد من بروزه تماماً للناظر، ثم امتشق سكارة من علبة سكائره ماركة سومر (سن طويل) كما تسمى شعبياً، وبدء ينفث دخانها وهو متكأ على بونيد التيوتا لاندكروز التابعة للفرقة الحزبية.
أه، هل هذا حلم ام حقيقة؟ تسائل مع نفسه وهو ينتظر بفارغ الصبر رفيقه الجديد، الذي جاء في معايشة حزبية من محافظة الأنبار الى كركوك. أحقاً سيجلس أمامي هذا اليوم...؟ خمسة عشر عاماً وأنا أنتظر هذا اليوم، وأي يوم! أنه يوم الأيام، اليوم الذي سيجلس فيه البيك ك ك ك التركماني ذليلاً أمامي أنا، أنا الذي أفنى أبي حياته وهو يحضر القهوة له صباح مساء... هذا الـ إبن الـ..... اليوم سأجعله يدفع الثمن باهضاً.
رمى السكارة من يده وداس عليها بحنق شديد وهو ينظر في الساعة، أوه ه ه رفيق صالح، أكل هذا الوقت لكي تلبس بدلتك الزيتوني! ثم عادت به ذاكرته الى مساء أمس، حيث قضى معظم الليل وهو يتفكر فيما سيقوله ويفعله مع هذا البيك الوغد الذي يبخس حقوق الفلاحين البسطاء... سأصرخ في وجهه، ساقول له أنت لا تساوي درهماً، أنت مجرد بعوضة، أنت لا أصل ولا فصل، أنت... أنت... أنت...
أحس بحنجرته تتحشرج وقد تيبست من جراء الكلمات التي تغلي في صدره كمرجل عتيق، فأستجمع قواه في رئتيه، وشفط ما فيهما الى الأعلى وبصقها على الارض بطريقة مزرية، ثم داس على بصاقه ودعسها دعساً بتشنج المنتقم.
ثم أمتشط سكارة أخرى، وعاد ليتكأ ثانية على بونيد السيارة وهو ينفث الدخان على عجل..... لن أعطي هذا الذي يسمي نفسه بالبيك فرصة لكي يدافع عن نفسه، لن ارحمه حتى ولو ذكرني بتلك السوالف السخيفة: "أنا الذي أعطيت الامان لأبيك حين كان مطلوباً من أحدى العشائر، وأسكنته بجواري منذ ذلك الوقت"... كلام سخيف لن يفيده بشيء.. حتى وإن ذكرني بدفعه مصاريف دراستي في بغداد لعدة سنوات... كل هذا لن ينفعه، لأنه أهان أبي واهان سلالتنا العريقة حين جعل ابي قهوجياً لديه كل تلك السنين...
كان مسترسلاً في عالم الخاص الذي يقبع بين الماضي والحاضر ولا ينتمي الى أحد منهما، حتى أنتبه الى صوت رفيقه:
ـ صباح الخير رفيق نزار.
ـ صباح الخيرات رفيق صالح.
ـ متأسف جداً على التأخير، ولكن كما تعرف فأنني بقيت سهراناً مع الرفاق حتى منتصف الليل بعد أن فارقتنا انت مبكراً يوم أمس.
ـ هل نستيطع المغادرة الان، فمدير الناحية ينتظرنا بلا شك، ومعه هذا البيك الوغد.
ـ إن لم يكن لديك شيء آخر نستيطع المغادرة.
أستعجل الخطى الى داخل السيارة وشغل المحرك وهو يردد مع نفسه: وأي شيء لديّ غير أن أتشمت بالبيك، يارفيقي العزيز.
كان يتمنى ان تتحول التيوتا لاندكروز الى طائرة ميك روسية، كي يصل الى هناك مثل البرق، فهو لا يريد لهذا الغضب الجارف أن يهدء قبل أن يلقي به كقنبلة عنقودية على راس البيك، بحيث أنه (البيك) يتعرض للأنفجار مع كل حركة، مع كل رمشة يقدم عليها.
كان الرفيق نزار ينظر في وجهه، وقد شد إنتباهه تشنج ملامحه...
ـ خيراً إنشاء الله رفيق نزار، اشوفك مشغول؟
ـ لا لا أبداً، كل شي تمام.
ـ هل لديك معرفة سابقة مع هذا البيك؟
ـ منهو؟ البيك؟ من أين لي معرفته؟ هذا واحد تركماني واني رجل عربي.
ـ لا مو هاي المسألة رفيقي، يعني قصدي أنتو من نفس المنطقة، فأكيد اكو معرفة سابقة.
ـ لا لا، ما أعرفه ولا شايفه قبل.
أحس ان رفيقه قد اصطاده في لحظة ضعف، ولكنه لا يقوى على إخفاء مظاهر الغضب التي تغلي في داخله.
ـ رفيق صالح أنت قلت لي أنك دليمي.
ـ نعم
ـ والله والنعم... راح أتشوف أبن عمك المشهداني أشراح يسوي بهذا البيك التركماني اليوم.
ـ المسألة ما يرنادلهة عركة رفيقي، نحن لدينا كم شكوى من الفلاحين، وراح نتفاهم مع الرجل.
ـ لا لا يارفيقي، أنت ما تعرف هذا البيك، هذا فد فواحد حقير ما يرحم أحد، وشايف نفسه شوفه..
ـ يعني رفيق نزار أنت تعرف هذا البيك!
ـ لا لا بس اني أعطيك نظرة عامة عن ما سمعته من الفلاحين..
تباً للساني، لقد أصطادني رفيق صالح مرة أخرى! قال في نفسه، ثم انشرحت سرائره، وهو يرى بناية الناحية بارزة أمامه... فردد في قرارته:
ـ اليوم يومك يانزار.
نزل من السيارة واغلق بابها بقوة، ثم راح يتفحص متنيه من جديد، هزهما هزاً خفيفاً ليتأكد من أن متنيه يظهران بالارتفاع المطلوب، وتلمس قراب مسدسه، ثم امتشق سكارة من علبة السكائر.. كان رفيقه ينظر اليه بإستغراب، فبادره:
ـ تفضل رفيق نزار.
ـ لا العفو تفضل رفيقي.
احس بتخاذل كبير صار يغزو كيانه وهو يقترب من مكتب مدير الناحية، فعمد خلال تلك الثواني الى تذكر كل ما كان يحمله من حقد على البيك طوال خمسة عشرة عاماً، وما أن وصل باب المكتب حتى كانت عيناه تطفر بالشرر، ولكنه لم يجرء على فتح الباب، فنظر في عيني صالح، وقال:
ـ تفضل رفيق صالح.
دفع صالح الباب ودخل، ثم دخل هو وراءه، ولكن ماهذا! أين البيك؟ هذا الجبان لم يحضر خوفاً من لقائي، تفكر في نفسه.
بادرهم مدير الناحية، قائلاً:
ـ تفضلوا يارفاق.. اهلاً وسهلاً بكم، اوصيلكم على شاي.
فبادره نزار بصوت متشنج:
ـ اين هذا البيك يا أستاذ؟
فأجابه مدير الناحية بسؤال:
ـ من منكما يدعى الرفيق نزار؟
ـ أنا الرفيق نزار.
ـ في الحقيقة البيك كان موجوداً عندي قبل قليل، وقد سالني عن الاشخاص الذين يريدون مسائلته في قضية الفلاحين، فعندما ذكرت له أسميكما كما وردني في كتاب الفرقة الحزبية، تنهد البيك طويلاً، ثم طلب مني ورقة وقلم، وكتب على الورقة تنازلاً عن كل ريع اراضيه للفلاحين ووقع عليها... تفضلوا هذه هي الورقة.
نظر الرفيق صالح في وجه رفيقه نزار وقال:
ـ هذا خبر جيد، اذن المشكلة انحلت، والرجل أعطى أكثر من المطلوب.
أمام هذا الموقف أحس الرفيق نزار بأنه لا يساوي درهماً، بأنه مجرد بعوضة، بأنه كمن لا أصل له ولا فصل... فأنفجر وهو يشتم ويسب ويتوعد البيك، حتى أضطر الرفيق صالح على أخراجه من مكتب مدير الناحية، وقبل أن يغادر المكتب، التفت صالح تجاه المدير وقال مبتسمآ:
ـ إذا زارك البيك مرة أخرى أبلغه إحترامي وتحياتي.
كان مدير الناحية ينظر الى هذيان الرفيق نزار، وقد بات يعرف السبب الحقيقي الذي دفع البيك للتنازل عن ريع أرضه للفلاحين، وهو يعلم بأنها مصدر معاشه.. تذكر مدير الناحية وهو يراقب عبر نافذة مكتبه المطلة على موقف السيارات، الرفيق صالح وهو يحاول تهدئة الرفيق نزار، تذكر المدير إجابة البيك على سؤاله عن سبب تنازله عن كل ريع أرضه في حين أن المطلوب منه هو أرضاء بعض الفلاحين! حينها أجابه البيك بكل ثقة:
ـ أنا أتنازل عن مصدر معيشتي، فقط كي لا يكون شخص نذل مثل نزار، لي مخاطباً.
لا يسمح بالنقل أو الإقتباس دون ذكر المصدر
العودة الى الرئيسية |