|
الترويج لمشاريع الإسلام السياسي في المجتمع التركماني، لمصلحة من؟
27. 12. 2009
الإسلام كعقيدة وطريقة حياة، كان على الدوام عاملاً فاعلاً في صياغة الوجه العام للحياة الإجتماعية لشعبنا ومحركا نحو الفضيلة، ولم يتقاطع يوما مع إعتزاز الفرد التركماني بإنتمائه القومي، هذا الإنتماء الذي وحده يشكل الأساس الذي يقوم عليه وجودنا كأمة متميزة على الجغرافية التي تمتد من قضاء تلعفر في محافظة الموصل وحتى قضاء مندلي في محافظة ديالى. ومثلما لم يضع أسلافنا أنفسهم في إمتحان مفاضلة بين إنتمائهم القومي والديني، فحري بنا أن نبقي هذا التوازن على الدقة التي كان ولا يزال عليها. فالإسلام والتركمانية لنا مثل الأب والأم، لا مجال للمفاضلة بينهما.. ولكن في عصر كعصرنا الذي إختلطت فيه المفاهيم، ولويت فيه أعناق النصوص وحملت من المعاني ما لا تحتمل، وأستغلت فيه العواطف الدينية التي من المفترض أنها محرضة للفضيلة والزهد، أبشع إستغلال في خدمة مشاريع سياسية محلية وإقليمية لا يجمعها جامع غير حب الإستحواذ على السلطة بأي ثمن. في عالم مثل هذا العالم، علينا أن نكون واعين ومحصنين كي لا نقع فريسة لمثل هذه الآفات المهلكة التي تستهدف روحنا القومية، أي وجودنا ومصيرنا كأمة متميزة بلغتها وتاريخها وثقافتها. ومفتاح هذا الوعي وأداة الحصانة هذه إنما تكمن في كشف زيف مشاريع الإسلام السياسي وفضح عرّابيها في مجتمعنا المتسامح دينيا.
دعاة الأسلام السياسي، ومروجي الجهل والرجعية هم أعداء الداخل، أشد علينا وعلى شبابنا وشاباتنا خطراً من الأعداء الخارجيين، لذا فإن مهمة كشفهم وتقليم أظافرهم يجب أن يكون في مقدمة الواجبات التي تقع على عاتق مثقفينا ومفكرينا وأدبائنا والنخب القومية، بل هي جزء من واجبات الأسرة تجاه أبنائها لتثقيفهم ضد هؤلاء ومشاريعهم الهدامة.
إن تاريخ الإسلام في أكثر محطاته دموية أو تفرقا وضعفاً لم يشهد مثل هذا التسييس والإستغلال لعاطفة الإنتماء الروحي من أجل مشاريع سياسية قذرة لا تقيم في حقيقتها أي إعتبار للروح والمعاني العليا، والدليل هو رخص الإنسان في حسابات مروجي مثل تلك المشاريع الإسلاموية، إن كانت في الجانب السني أو الآخر الشيعي.
ما هو الإسلام السياسي؟ وهل هو حقا وسيلة لتحضر المجتمعات وتطورها وسعادتها؟
الإسلام السياسي هو مصطلح يشار به الى المشاريع السياسية التي تروج وتهدف الى إعتماد الشريعة الإسلامية في إدارة نظام الدولة والمجتمع، وتقيس صلاحية أي قانون وضعي في أي مجال من مجالات الحياة المتشعبة، بقدر عدم تعارضه مع تلك الشرائع، والتي تشمل الاحوال الشخصية والمعاملات اليومية، الإقتصاد والتعليم والصحة والجيش والفن ونوعية الملابس وطريقة الأكل ونوعه ووو الخ، حتى أصغر التفاصيل في العلاقة بين الزوجين، بل هي تطارد الفرد حتى في المرافق الصحية فتفرض عيله كيف يزيل آثار الحدث الأصغر وغيرها، ترويجا لأساليب وطرق الحياة اليومية للإنسان ليس فيما قبل الثورة الصناعية، بل ما قبل العصور الوسطى التي بدأت مع بداية الإسلام حسب التقسيم التاريخي المعتمد عالميا لتصنيف عصور التاريخ البشري.
ولكن هل حقاً أن هدف عرّابي المشاريع الاسلاموية هو تطبيق الشريعة الإسلامية وبناء المجتمع النموذجي حسبما تصوره لهم عقولهم المريضة؟ لو كان الأمر كذلك لكان هيناً بل يمكن التعايش مع مثل هذه النوايا، مثلما نحن مضطرين أن نتعايش مع الطيش الفكري للكثير من الآيديولوجيات السياسية الأخرى؟! ولكن هذا ليس هو هدفهم الأساس.. فهدفهم الأساس هو السلطة والتسلط بإسم الدين وبصبغة روحية ومشروعية الهية لا ترحم من يعارضها ولا حتى من ينتقدها..
قد يسأل سائل ويقول لو كان هدف هؤلاء السلطة فلماذا لا يسلكون اليه اي سبيل أو طريقة سياسية أخرى غير الدين، فيرحموا أنفسهم من هذا النفاق والفصام الذي يعيشونه كل يوم وكل ساعة؟ والجواب هو أنه ليس هناك منهج أو مشروع سياسي يمكنه تعبئة حشود من الناس بأرخص ما يمكن، وسوقهم الى الموت والفقر والجوع والدمار بكل رضى وطمأنينة وإستسلام كما تفعله المشاريع الدينسياسية، فهذه لا تكلفهم غير الكذب وهم أفضل الناس في إجادته، وتزوير التاريخ وإضافة هالات من النور والمعجزات على الشخصيات الإسلامية التاريخية أو الوهمية، ليوهموا جهلة الناس والأميين منهم بأنهم الأوصياء والقائمون على تعاليم أولئك الأولياء أو الصحابة وغيرهم، وأنهم إمتداد لأصحاب تلك المعجزات والكرامات والهالات النورانية.. كلام فارغ لا يكلف عرّابي الإسلام السياسي الكثير من الجهد، ولكنه يكلف مجتمعاتنا الكثير الكثير من الدماء والأرواح والفقر والتخلف وفقدان الكرامة وتجعل أوطاننا ومصائرها رهنا بيد حفنة من الرجال المتعنفين من الداخل والخارج، والمصير النهائي هو الإحتلال الإجنبي وفرض إرادة القوى العالمية المتجبرة وتسويق ثقافتها بكل سهولة ويسر.
نماذج الدولة الإسلامية ليست في عالم الخيال كي لا نستطيع معرفة مدى صلاحيتها لإدارة شؤون المجتمعات البشرية الحديثة، إنها موجودة على الأرض، ويمكننا أن نتخيل البؤس الذي يمكن أن تقذف فيه مجتمعاتنا في ظل مثل هذه الإنظمة الرجعية التوليتارية الشمولية الدموية.. النموذج كان موجودا حتى قبل بضعة سنوات في أفغانستان في ظل حكم طالبان لها، النموذج موجود اليوم في إيران الملالي الرجعيين، النموذج موجود في صوماليا المدمرة بكل معنى الكلمة في ظل الحركات السلفية، النموذج موجود في المملكة العربية السعودية، أكبر مصدر للبترول في العالم ولديها أكبر خزين منه بينما شعبها يعيش في بؤس وتخلف لا نظير له. هذه هي نماذج الدولة الإسلامية المزعومة، ولا أعتقد بأن هناك سني واحد يمكنه مزايدة طالبان على تطبيق الشريعة الإسلامية، مثلما لا يستطيع أي شيعي أن يزايد ملالي إيران على تطبيق الشريعة الإسلامية، والنتيجة معروفة بؤس وتخلف وديكتاتورية رجعية دموية مقيتة.
لماذا لا يستطيع الإسلامويون التحرك بسهولة في المجتمع الكردي الجار، مثلما هم يفعلون في مجتمعنا ياترى؟ أنظروا الى عدد الأحزاب الشيعية والسنية التي تصول وتجول داخل مجتمعنا وتفسد عقول شبابنا وشاباتنا، عبر بعض الأذلاء من التركمان ممن إرتضوا أن يكونوا جسراً لمشاريع إقليمية معادية على حساب المشروع القومي التركماني. الى متى يسمح لهؤلاء العبث بمقدرات أمتنا؟ أين هي الأحزاب والحركات القومية الشريفة وما هي مناهجها لمواجهة هذا الجراد المدمر؟
شيء يدعوا الى الأسف عندما تقوم الأحزاب والحركات التي من المفترض انها راعية لمشروعنا القومي، أن تقوم بالدعاية والترويج لتلك المشاريع الإسلامسياسية دون وعي وتفحص.
يوم أمس قرأت في أحدى المواقع التركمانية العزيزة خبراً أقتبس منه هذه الجملة:
" بعد ذلك ألقى الأستاذ ....... محاضرة عن الانتخابات والديمقراطية وقدم لمحة عن تداول السلطة منذ عهد الرومان الى وقتنا الحاضر مشددا على ان الديمقراطية الحقيقية هي التي أوجدها الاسلام من خلال قيام الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) بمشورة أصحابه في القرارات التي تتخذ سواء في الجهاد او السلام."
أي نوع من السطحية هذه التي تجعل من باحث قدير مثل باحثنا هذا لينزلاق في متاهة تشويه التاريخ وتحميل الحوادث التاريخية المعروفة دلالات لا تحتملها؟! ما علاقة النبي (ص) بالديمقراطية، وهل من المفترض أن يكون النبي الكريم طبيبا وعالم فلك وفيزياء ورياضيات وصيدلاني ووو الخ حتى نصدق أنه نبي مرسل؟! اليس هذا تلاعباً بعقول العامة، وعزفا على وتر لا يليق لجهة من المفترض أنها راعية للمشروع القومي ومدافعة عنه في الخط الأول؟ ألا يعرف السيد الباحث أن المواطن الذي تنطلي عليه كذبة أن الديمقراطية الحقيقة هي التي بدأت في زمن الرسول (ص) سيدير ظهره للقائمة التركمانية ويذهب ليعطي صوته للأحزاب السنية أو الشيعية أصحاب الباع الطويل في تزوير التاريخ الإسلامي وإستغلاله لمشاريع سياسية معروفة..
إن أي جهة تدعي أنها تخدم مشروعا قوميا أو وطنيا عليها أن تكون حريصة كل الحرص على عدم تداخل الخنادق مع الإسلامويين، فأي تداخل من هذا النوع يعني خسارة الجماهير، فأنت لا تستطيع أن تغلب البقال في سوق الخضار، ولا العطار في سوق العطارين وكذلك لا تستطيع أن تغلب أصحاب المشاريع الإسلامسياسية في ساحتهم ساحة الكذب والنفاق وتزوير التاريخ، والأمر ليس مطلوبا منك ولا مفروض عليك..
النبي محمد (ص) هو صاحب رسالة سماوية تعنى بمعرفة الله وطريق الفضيلة ولا علاقة لها بالفيزياء والكيمياء والرياضيات أو العلوم السياسية والديمقراطية وغيرها، ومن واجب المثقف القومي أن يوضح ذلك للمواطنين ويثري وعيهم، لا أن يشارك في إطالة غيبوبتهم..
مختصر القول هو أن مشاريع الإسلام السياسي التي أصبحت ظاهرة خطيرة تهدد مجتمعنا التركماني ومشروعنا القومي العادل، إنما هي مشاريع لم تظهر إعتباطاً، بل هي مقصودة وممولة من جهات معروفة.. فلينظر أبناء شعبنا الى تلعفر، ليرى كيف أستطاع أعداء الشعب التركماني ليس فقط إراقة الدم التركماني بيد تركمانية، بل وتحطيم هذه المدينة وشلها وإبعادها عن دورها القومي الذي كان من المفترض أن تكون متميزة فيه، وداعمة قوية له، بل ومركزا للنشاط القومي.. نعم، هكذا يريدونها في كركوك أيضاً وبقية المناطق التركمانية، إنهم يريدون إطفاء جذوة الشعور القومي عند الإنسان التركماني، لتحل محله إنتماءات طائفية ودينية سلفية سنية شيعية رجعية تمزق نسيج مجتمعنا وتلهيه عن مشاريع الهيمنة وفرض الإرادة التي يقودها الأكراد بلا هوادة ضد وجودنا أرضا وشعبا.
على أحزابنا القومية ومفكرينا ومثقفينا المستنيرين أن يأخذوا على عاتقهم مهمة توعية الجماهير التركمانية بمثل هذه المشاريع ومروجيها.. فشعبنا الذي إعتنق الإسلام منذ أكثر من ألف عام حتى صار جزء لا يتجزء من ثقافته وأدبه وشعره وكل تفاصيل حياته، إن كان على مذهب السنة والجماعة أو على مذهب ال البيت عليهم السلام، لن يسمح بأن يأتيه أحد مطايا السلفية أو التشيع السياسي ليعلمه ما هو الإسلام.. قضيتنا قضية قومية، وأبناء شعبنا مستهدفين لأنهم تركمان، وليس لأنهم شيعة أو سنة، والذين يقتلون التركماني لأنه سني أو شيعي إنما هدفهم زرع الطائفية ودفع شبابنا الى الإنزواء والتحصن بالطائفة بدلا من القومية.. لم يفت الأوان بعد، يجب أن تكون هناك ستراتيجية قومية واضحة ومحددة المعالم والأهداف لتدارك هذا الخطر داهم، وتخليص شعبنا من براثن هذا الوحش الدموي.
لا يسمح بالنقل أو الإقتباس دون ذكر المصدر
العودة الى الرئيسية
|