|
هل حقآ أن الخلفية الاسلامية لعبدالله جول هي السبب في عدم تمكينه من الفوز برئاسة الجمهورية التركية؟ أم أنه هو الحجاب الذي ترتديه السيدة خير النساء زوجة عبدالله جول؟ بعبارة اخرى من هو المرفوض دخوله الى قصر الرئاسة هل هو عبدالله جول ام السيدة حرمه.
من لا يعرف الاوضاع في تركيا عن قرب قد تنطلي عليه مقولة الخلفية الاسلامية والتي صار يستخدمها الاعلام في وصف قادة وزعماء حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. هناك مغالطتين واضحتين في هذا الوصف، أولاهما هو أنه لا يوجد مواطن تركي في جمهورية تركيا بدون خلفية اسلامية، حتى الواحد بالمئة من الغير مسلمين منهم يعيشون ضمن اطار ثقافي وحضاري اسلامي، وعندما يمر اليهودي التركي او المسيحي التركي من جانب الجايخانة الموجودة عند مدخل محلته او منطقة سكناه، يرفع يده ويقول للجالسين السلام عليكم، هذه هي الخلفية الاسلامية. أما اذا كان هذا النعت صادر عن تحليل مقارن بين ما هو أسلامي وغير اسلامي في منطقتنا العربية وما هو موجود في تركيا، فمثل هذه المقارنة هي في الاساس مجحفة وغير دقيقة، فما هو موجود لدينا يختلف تمامآ عما هو موجود خارج المنطقة العربية، فلا الأسلامي عندنا يشبه ما لدى بقية العالم، ولا حتى العلماني.
أما الوجه الثاني للمغالطة فهي، أن السيد عبدالله جول لم يترشح الى منصب الرئاسة من على كرسي وظيفة عامة، يعني وظيفة اي كلام، كما يقول المصريون.... عبدالله جول يتربع اليوم على كرسي وزارة الخارجية، أي كرسي الحلاق في الحكومة التركية أن صح التعبير، ووزارة الخارجية بالنسبة للأتراك هي اخطر وزارة في عموم الحكومة والدولة، فتركيا عبرت في تاريخها الحديث والى حد هذا اليوم أخطر النزاعات الدولية والتي كانت تركيا كجغرافية في قلب تلك النزاعات، عبرت تركيا الى بر الامان على سفينة الدبلوماسية أي سفينة الخارجية. أذن من البداهة بمكان، انه لو كانت الخلفية الاسلامية لعبدالله جول يمكن ان تمنعه من الصعود الى مركز حساس في الحكومة او الدولة التركية كان من الاوجب ان تمنعه من تسنم وزارة الخارجية الاخطر والاهم بكثير من منصب رئيس الجمهورية. فالحال هنا كمن يمنع الحلاق من الجلوس على احدى الكراسي المرمية على باب محل الحلاقة.
حتى حجة الرمزية التي يمثلها الجالس في القصر الجمهوري بالنسبة الى المؤسسة العسكرية التركية ومن ورائها العلمانيين، هو مجرد كلام فارغ، فمن يستطيع تمثيل تركيا في المحافل الدولية بهذا الأخلاص الذي ظهر فيه عبدالله جول خلال السنوات الماضية، يستطيع ان يكون بنفس الدرجة من الاخلاص لمنصب الرئاسة، وهذا ما تعرفه المؤسسة العسكرية والعلمانيون.
اذن وبكل بساطة، الممنوع او الغير مرغوب في دخوله القصر الجمهوري ليس عبدالله جول بل السيدة حرمه.
حول الحجاب وتستر الانثى عن الذكور، دعونا نلقي نظرة على التاريخ، فليس للمرء ان يفهم امر امة في حاضرها، ألا بالاستعانة بماضيها. يسجل ابن فضلان عن الترك الغزية (الاوغوز) وهم اسلاف اتراك جمهورية تركيا، في كتابه الموسوم برحلة ابن فضلان مايلي:
" فلما قطعناه أفضينا إلى قبيلة من الأتراك يعرفون بالغزية، وإذا هم بادية لهم بيوت شعر يحلون ويرتحلون ترى منهم الأبيات في كل مكان، ومثلها في مكان آخر على عمل البادية وتنقلهم، وإذا هم في شقاء وهم مع ذلك كالحمير الضالة لا يدينون لله بدين ولا يرجعون إلى عقل ولا يعبدون شيئاً بل يسمون كبراءهم أرباباً، فإذا استشار أحدهم ريئسه في شيء قال له: يا رب إيش أعمل في كذا وكذا وأمرهم شورى بينهم، غير أنهم متى اتفقوا على شيء وعزموا عليه جاء أرذلهم وأخسهم فنقض ما قد أجمعوا عليه."
ثم يقول في موضع أخر:
ولا يستتر نساؤهم من رجالهم ولا من غيرهم كذلك لا تستر المرأة شيئاً من بدنها عن أحد من الناس. ولقد نزلنا يوماً على رجل منهم فجلسنا وامرأة الرجل معنا فبينا هي تحدثنا إذ كشفت فرجها وحكته ونحن ننظر إليها فسترنا وجوهنا وقلنا: أستغفر الله فضحك زوجها وقال للترجمان: قل لهم تكشفه بحضرتكم فترونه وتصونه فلا يوصل إليه هو خير من أن تغطيه وتمكن منه. وليس يعرفون الزنا ومن ظهروا منه على شيء من فعله شقوه بنصفين وذلك أنهم يجمعون بين أغصان شجرتين ثم يشدونه بالأغصان ويرسلون الشجرتين فينشق الذي شد إليهما.
اذن، هذا ما كان عليه الاتراك الغز بالخصوص قبل ان يتمكن فيهم الاسلام، فهم كما نلاحظ من مدونة ابن فضلان، انه رغم حياة الشقاء في البادية فأن أمرهم كان شورى بينهم، أنتبه الى هذه العبارة أخي القارء، وأن أرذلهم لهو قادر على أن ينقض ما أجمعوا عليه، أن قدم الحجة البينة بطبيعة الحال. هكذا كان الترك الاوغوز قبل أن يتمكن فيهم الاسلام بفترة وجيزة جدآ، كما نستفهم من رسالة بن فضلان.
ثم أن نسائهم لم يتسترن عن الرجال، القريبين منهم والغرباء على حد سواء، فهل كان ذلك مدعاة لأنتشار الزنا والفجور بينهم؟ كلا أبدآ، فابن فضلان لم يكتب ما كتب لمغازلة الاتراك وغيرهم ممن يرد ذكرهم في رحلته الشهيرة، بل يقول: "انهم لم يكونوا يعرفون الزنا."
وكتحصيل حاصل لم تكن لدى هؤلاء الاتراك رغم حياة الشقاء في البادية بيوت للدعارة كما كان موجودآ في الجزيرة العربية التي كان سكانها يعيشون في نفس الظروف الجغرافية ونمط الحياة تقريبآ.
لسنا هنا نريد مناقشة مسألة الحجاب، فهذا ليس صنعتنا الى حد هذا اليوم، ولكننا نملك حق القول فيما نستقراه من التاريخ، فمسألة فرض الحجاب كانت استجابة لضرورة فرضها نمط حياة المجتمع العربي، ولا احد يستطيع القول أن فرض الحجاب في مجتمع ما له فاعلية في دفع الرذيلة عن اصحاب النفوس الضعيفة، وكما قال ذلك التركي لابن فضلان: "تكشفه بحضرتكم فترونه وتصونه فلا يوصل إليه هو خير من أن تغطيه وتمكن منه"
مع كل ذلك، فقد منّ الله تعالى على الترك وغيرهم بنعمة الاسلام، ومن يقبل الاسلام عليه أن يقبله كلآ لا مجتزءآ، والحجاب جزء من الاسلام بالاجماع.
فيما يخص الصراع على الرئاسة التركية فأن، الأساس هو أن عبدالله جول سياسي مشارك بفاعلية في قيادة دولة علمانية، اذن كونه متدين وذو خلفية أسلامية تأتي براينا في الدرجة الثانية، وألا فبمقدور الرجل ان يترك الوظيفة ويجلس في البيت ويختار لنفسه ولأهله نمط الحياة التي يرغبونها.... ولكن هل أن امر الحجاب الذي ترتديه زوجة عبدالله جول هي ضمن ما يستطيع الرجل اتخاذ قرار فيه؟ كلا بالطبع، فزوجة عبدالله جول هي في الاساس من عائلة محافظة وهي ترتدي الحجاب لأيمانها بوجوب ذلك، اذن هل يطلب العسكر والعلمانيون من عبدالله جول ان يفرض على زوجته نزع الحجاب؟ أين هو جوهر العلمانية في هذا؟ فالعلمانية هي التي أعطت للمرأة حريتها فيما تختار لنفسها، وخلصتها من القيود التي كانت تكبلها خلال قرون عديدة عاشت فيه المرأة تحت نير التقاليد والتعاليم الدينية المقيدة لحريتها تمامآ.... أذن هل نحن اليوم امام مفارقة تاريخية جديدة من نوعها، حيث أن المتدينين اصبحوا في تركيا محامين شرسين للدفاع عن حقوق المرأة، بينما اصبح العلمانيون مدعين عامين يحاولون تجريم المرأة لأنها تريد ان تختار نمط الحياة المناسبة لها!
ملخص القول هو أن تركيا تعيش هذه الايام أرهاصات تشكيل ملامح هوية جديدة قديمة لتركيا ولعموم الشعب التركي.... فبعد قرابة قرن من التحديث على اسس علمانية متشددة، لم يستطع المدافعون عن تلك العلمانية أن يقدموا للشعب التركي ما كان مطلوبآ أو مؤملآ منهم.... خذ على سبيل المقارنة المانيا التي خسرت الحرب العالمية الاولى الى جانب الاتراك، لقد استطاعت المانيا من بناء اقتصادها وصناعتها في اقل من خمس وعشرين سنة، ثم حاربت العالم أجمع في الحرب الكونية الثانية، ثم دمرت تمامآ وانقسمت الى دولتين، بعد الحرب... اليوم المانيا تعتبر من أكبر بلدان العالم ازدهارآ في كل جوانب الحياة، اين تقف تركيا التي حكمها العلمانيون كل تلك العقود؟ وعند المقارنة فيما قدمه حزب العادلة والتنمية الغير علماني خلال بضعة سنين، نجد أن الفارق كبير جدآ.
اذن الاسلوب الذي تقود به العادلة والتنمية تركيا اليوم، ليس الاخلاص والنزاهة فقط من اهم عوامل نجاحه، بل أن اساس النجاح كان ولا يزال هو أن هذه الصبغة الاسلامية التي تتميز بها العدالة والتنمية هي بالضبط الصبغة الاكثر ملائمة لمجتمع ذو خلفية اسلامية حقيقة، فالاتراك لم يؤمنوا من يومهم أن العلمانية هي التي ستنقل دولتهم الى مصاف الدول المرفهة والمتقدمة، بل هم يؤمنون كغيرهم من المسلمين أن الأسلام هو الجسر الوحيد الذي يمكن العبور من عليه الى تلك الرفاهية. أذن دولة علمانية، يقودها أناس ذو خلفية اسلامية هي الأكسير الذي ستنعم تركيا بواسطته بما هو مؤمل في دولة عظيمة مثل تركيا.
والسؤال هو: هل أن ذوي الخلفية الاسلامية سيعتبرون من تاريخ اسلافهم الذين لم يعرفوا الزنا رغم أن المرأة لم تكن تتستر عندهم كما يذكر ابن فضلان؟!
وهل ان العسكر والعلمانيون يعتبرون من أن أمر أسلافهم كان شورى بينهم قبل الاسلام وقبل العلمانية، فلا يمثلوا بعد ذلك دور ذلك الارذل الذي ينقض ما اجمع القوم عليه، وبدون حجة وبينة هذه المرة؟!
لا يسمح بالنقل أو الإقتباس دون ذكر المصدر
العودة الى الرئيسية |