|
عندما تكون الحلول من أكبر معوقاتنا فالأحرى بنا أن نستسلم للمشاكل، هذه ليست دعوة للإستسلام انها دعوة لنقد جريء للذات والبدء بعزيمة ثورية لوضع الأمور في نصابها الصحيح. فحالنا اليوم أشبه ما يكون بحال الحمّال الذي يعمل أجيرآ عند اللصوص لينقل لهم ما يسرقونه من بيته. وعندما تكون أم مشاكلنا في الحلول التي نستعرض للأخرين بأننا نتبناها، فسيوصف حالنا بالمهزلة إختصاراً!! كل شعوب العالم وأممها تمر بمراحل ضعف وهوان وقد تتعرض لتحديات خطيرة تهدد مستقبل وجودها، اذن هل هناك شيء جديد في حالة أمتنا اليوم؟! بالطبع كلا، فكل ما جرى لنا ويجري اليوم، جرى مثله للأخرين، أذن أين المشكلة؟! المشكلة وكما ذكرت، تكمن في الحلول التي نتبناها في مواجهة مشاكلنا، وأهم تلك الحلول (المشكلة) لدينا اليوم هي أننا نوجه فوهات بنادقنا في الأتجاه الخاطئ.
صحيح ان الحكمة مطلب أنساني، ولكنها ليست شيئاً تجريدياً وقالباً يناسب أي حدث في أي زمن. فعندما يكون المرء معافى فليس من الحكمة أن يعمد الى قطع أحدى أصابعه، فذلك جنون ما بعده جنون، ولكن سيكون عين الحكمة عندما نلجئ الى قطع نفس الأصبع حين يشكل تهديداً للجسد كله!! أقول هذا الكلام في مواجهة دعاة ومنظري الوطنية العراقية في مجتمعنا التركماني وهم ماشاء الله كثيرون بل يزايد بعضهم البعض في ترديد الشعارات الفارغة، دون وعي بالأسس التي تنبني عليها المواطنة أو حتى الشعور بالإنتماء الوطني، فهذا الشعور لا يجوز أن يستعمل كسلاح في صراع داخلي مع أقوام أو جماعات تتقاسم معنا ولو شكليا نفس الوطن بشحمه ولحمه، فمن هم الذين سنزايدهم على الوطنية العراقية، هل هم العرب السنة دعاة القومية العربية الشوفينية ومهندسي تعريب المناطق التركمانية، أم العرب الشيعة الذين الذين يشكلون أغلبية سكان العراق، أم الأكراد المرحب بهم في هذا الوطن حتى في زمن الديكتاتورية حيث منحتهم الحكم الذاتي وشرعت لهم التعليم باللغة فأصبح لديهم كيانهم الثقافي والسياسي داخل العراق.. لأي شيء وبأية إستراتيجية يتم حشو رؤس شبابنا بالشعارات الوطنية العراقية وأغلبها شعارات القوميين العرب على حساب الوعي القومي!؟
قد تكون كلمة مهزلة هي الوصف الملائم رغم أنها ثقيلة، ولكنني سأورد هنا بعض الأمثلة على حالة أمتنا والطرق التي تسلكها أحزابنا السياسية في طريق إستعادة حقوقنا المسلوبة:
المهزلة الأولى: العراق وطن العرب والأكراد ومرتع لجلاديهم ومليشياتهم وأرهابييهم، ولكن حماية أمن هذا العراق وصون وحدته هي مسؤولية التركمان فقط!!
لنعد قليلآ الى الوراء، الى بدايات سلخ الولايات الثلاث (الموصل، بغداد، البصرة) التي تشكل عراق اليوم من الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. لنرى كيف واجه شعبنا قيام الدولة العراقية الأنفصالية بعد تلك الحرب، وكيف أستقبلوا الملك العراقي الأول الذي كان يقود الأنفصاليين والأرهابيين ليقتلوا جنود بلادهم مقابل حفنة من الليرات الذهبية، التي كان يرميها عليهم الجواسيس البريطانيون. لم يقبل ابائنا بالأنفصال عن الدولة الشرعية في حينها إلا مرغمين، ولم يصوتوا للملك فيصل الأول، لأنه لم يكن من المعهود في ذلك الزمن أن يكون أياً كان ملكاً. هذه الحقيقة التاريخية صفعة لكل من يتشدق لغايات سياسية ضيقة ويجاهر دون معرفة بأن التركمان صفقوا للدولة العراقية وهلهلت التركمانيات لموكب فيصل الأول وأستقبلنه بالرياحين والكليجة والجكليت حين زار كركوك بعد الأنفصال، فليس شيء من ذاك قد حدث بالمرة. ولمن يريد الدليل فليقرء كتاب أرشد الهرمزي (حقيقة الوجود التركماني في العراق) حيث ينقل الكاتب نصاً من أحدى رسائل المس بيل السكرتيرة الشرقية للمعتمد السامي البريطاني في العراق، تقول فيه: "لقد تم الأستفتاء وأنتخب فيصل ملكاً بالأجماع، إلا كركوك فإنها لم تصوت له..." أنتهى كلام المس بيل. ولو عاد الزمن بأبائنا وامهاتنا وفعلوا عكس موقفهم الأول لما غير ذلك من موقف الحكومات العراقية تجاههم وتجاهنا مروراً من فيصل الأول الى صدام حسين، وهذا ما نريد جميعاً أن نغمض اعيننا عنه واهمين. أذن ما معنى هذا التشبث المرضي بوحدة العراق بعد قرن من الإهانة وتدمير الأرض والهوية؟!! وشعبنا يناله ما يناله كل يوم من الحيف والظلم والتهميش والإنكار. ان صورة سياسيي الجبهة التركمانية حين يتكلمون عن وحدة العراق في الوقت الذي تنهش فيه الكلاب السائبة الجسد التركماني، تشبه صورة من يريد ان يغطي رأسه بمحرمه وهو لا يدري أنه يكشف بذاك عورته.
المهزلة الثانية رسالة من رئيس؟؟؟؟؟؟ التركمانية الى الحكومة العراقية الجديدة: نحن ثلاثة ملايين عاجز لا نقوى على الوقوف طويلاً، لذا نريد أن تعطوننا فد عشرة أهدعش مقعد وزاري على فد عشرين مقعد برلماني على كم وكيل وزارة ومدير عام، سووها لوجه الله تعالى، فدوة لعيونكم.
أنها لأهانة كبيرة لتاريخ شعبنا أن تتحول طموحاته ومطالبه الشرعية الى عدد بخس من المقاعد في البرلمان العراقي الجديد وغيره. وهذا هو الوهم السياسي بعينه، حين يتصور سياسيونا بأن معركة الحقوق تبدء من على مقاعد البرلمان، وكأننا نعيش في دولة ديمقراطية من الطراز الأول. لا ندري حقيقة من الذي قرء في اذان هؤلاء السياسيين وقال لهم: لايهم أن يكون لكم شعب يقظ المهم أن تكون لكم مقاعد في البرلمان وصور على الجدران ولقاءات سخيفة من على الفضائيات العربية. أننا نقولها بأمانة لأخوتنا السياسيين التركمان أن من يتوهم منكم بأن نيل حقوق الشعب التركماني (إن كانت تهمكم أساساً) تكون من خلال المهازل التي يسمونها في العراق إنتخابات، فأنتم واهمون جداً، وكان الأجدر بكم أن توفروا الجهد والأموال التي ضيعتموها في الإنتخابات، لترصدوها لمشاريع النهضة واليقظة القومية الإنسانية لشعبنا، الذي وصل شخيره الى ما وراء المجموعة الشمسية. وها أنتم تعيشون مرحلة الغبن والتهميش بعد أن أخذت تلك الإنتخابات شرعيتها من تورطكم ومشاركتكم فيها بلا أية حصافة وحكمة. لا أدري إن كنتم قد تدارستم وضع العرب السنة على سبيل المثال، فهؤلاء رفضوا المشاركة في الإنتخابات الأولى وحصولوا على ما لا تحلمون أنتم به. فهم بعد أن أيقظوا شعبهم واعطوا مناوئيهم الدرس اللازم شاركوا في الإنتخابات الثانية وحصلوا منها ضعف أستحقاقهم الإنتخابي، وما حصلتم أنتم عليه هو مقعد يتيم، وعدد من المقاعد الأخرى التي هي في النهاية هبة من الوقف الشيعي لا أكثر ولا أقل.
المهزلة الثالثة نحن حزب البطيخ التركماني (15 عضو فقط) الممثل الشرعي والوحيد والأوحد وبلا منافس للشعب التركماني، ونحذر أي حزب أخر من أستغلال هذا الأمتياز!!!
لن نتكلم هنا عن مهازل طقوس تشكيل الأحزاب التركمانية، التي يكفي لقيام الواحدة منها أجتماع صغير من عدد من المغامرين (على غرار مغامري أفلام هوليوود)، والذين يقل عددهم بطبيعة الحال عن عدد ضيوف أبسط حفلة طهور شرعي لغلام في العاشرة من العمر. ولن نتكلم هنا أيضاً عن مهازل البيانات التأسيسية لتلك الأحزاب، وعن مناهجها الفكرية (أن وجدت لها مناهج فكرية أساساً). إن ما نريد أن نلفت اليه الأنتباه هو هذا الغرور الفارغ الذي يعشعش في عقول سياسيي تلك الأحزاب، الذين يتصورون أن الشرعية والتمثيل هي ثمار للأجتماعات الحزبية. لا نعرف حقيقة كيف تفسر أحزابنا مفهوم الشرعية، ولكننا نعرف أن هذه الشرعية حق يمنحه الشعب لمن يريد وعبر طرق كثيرة. فالشعوب المغلوبة على أمرها تعطي الشرعية لممثليها عبر التظاهرات المليونية، وهذا ما لم يحظى به أي حزب أو تشكيل تركماني، ولم نرى الى يومنا هذا مظاهرة يقودها حزب تركماني مكونة من 5000 شخص. وهناك طريقة اخرى لمنح الشرعية تسلكها الشعوب المغلوبة على أمرها، حين تقدم دماء أبناءها وأرواحهم قرابين في مسيرة تلك الأحزاب، ولا أعتقد أن أي حزب من الأحزاب التركمانية يجرئ على الأدعاء أن التضحيات الكبيرة للشعب التركماني كانت في سبيل مسيرته، لأن الشعب التركماني سيضع ملايين الأصابع في عيون ذلك الحزب. إن تضحيات الشعب التركماني كانت من أجل قضيته العادلة التي ظلت بخير (قياساً بظروف المراحل السابقة) تحت تمثيل الشعب التركماني لها قرابة ثمانين عاماً، ولم يصبها الهزال حتى ظهرت هذه الأحزاب الناقصة الشرعية.
بطبيعة الحال فأن هناك سلسلة طويلة من المهازل، سنكتفي بما قد أوردناه منها، وهي كافية لأيقاظ من لديه ابسط مقومات الوعي.
والحر تكفيه الأشارة
|