هل صار مصطلح التهميش وقفآ لأدبيات التركمان ونشراتهم السياسية؟

 

21. 10. 2006

 

قد يكون التركمان هم اكثر من استخدم مصطلح التهميش بعد سقوط نظام صدام حسين ولحد هذه اللحظة، حتى بات هذا المصطلح وقفآ على التركمان، ولا تجد مقالة أو دراسة أو بيان أو أستنكار صادر من المثقفين التركمان وقواهم السياسية ألا ويحوي هذه المصطلح. وحقيقة اننا لا نجد كلمة يمكن أن تعبر عن الواقع التركماني كما تعبر عنه هذه الكلمة (التهميش). ولذلك علينا أن نعرف كيف تسرب هذا المصطلح الى ادبياتنا الثقافية والحزبية ومتى، والأهم من ذلك لماذا؟

التهميش كمصطلح بدء مثقفونا وسياسيونا بأستعارته بعد قيام مجلس الحكم الأنتقالي أثر سقوط النظام السابق، وتفكيك الدولة العراقية ومؤسساتها المدنية والعسكرية بقرار من مؤسس العراق الأحدث السيد بول بريمر. حيث فوجأ التركمان بأختيار السيدة صونكول جابوك ممثلة عن الشعب التركماني في مجلس الحكم.

السيدة صونكول جابوك شخصية قديرة وقد اثبتت مقدرة جيدة في أداء ما القي على عاتقها من أجل أيصال الصوت التركماني الى ذلك المجلس الذي لم يحظى أبدآ بأحترام العراقيين.

لا نعرف بالضبط من الذي أوصى بأختيار السيدة جابوك كممثلة للتركمان في مجلس الحكم، ولكننا يقينآ نعرف الدلالة من أختيار سيدة لتمثيل التركمان في بلد ومجتمع ذكوريين كالعراق. لقد أراد أصحاب القرار انذاك ان يوجهوا الأهانة للتركمان، وهذا مفهوم من واقع المجتمع العراقي الذي يرى المرأة في مستوى أدنى من الرجل، وفي نفس الوقت أرادوا التصغير من شأن التركمان بأختيارهم فردآ واحدآ لتمثيلهم.

ولكن هل حقآ بدء تهميش التركمان بعد سقوط بغداد في 09. 04. 2003 ، أم أن التهميش رغبة عراقية سابقة لهذا التاريخ بعقود طويلة؟

يقول الأستاذ أرشد الهرمزي في بداية الفصل الثالث من كتابه الموسوم (حقيقة الوجود التركماني في العراق) عن بدايات تهميش الدور التركماني في الدولة العراقية التي أنشأها الأنكليز بعد الحرب العالمية الأولى ما يلي:

( تدل التقارير التي رفعتها جهات الأستخبارات البريطانية الى الحكومة البريطانية عن جهل مطبق لحقيقة الأوضاع السائدة في المناطق التركمانية وعن الشخصيات القيادية التي كانت تتزعم المجتمع المدني في المناطق المذكورة.
وبدل أن تتواصل هذه الجهات مع قادة المجتمع التركماني وتحاول فهم طريقة تفكيرها وسبل الأستفادة من طاقاتها وتوفير الحد الأدنى من حقوق هذه الفئة المهمة في المجتمع العراقي، فأنها عمدت الى تهميش دورها والى تخوينها بوصم كل من لا يغرد في سربها بالخيانة والعمالة.
والتناقض الموجود في هذه التقارير يفضح نفسه، فنرى الحديث عن شخصية معتبرة في المدينة بأسرها له كلمته وثقله المحلي مثلآ بوصفه بالبلادة والحمق أو بعدم التوازن والجهل لمجرد أن جهات الأستخبارات المذكورة لاتستسيغ سطوته وثقله الأجتماعي. ومن ذلك يلاحظ أن التقرير يشير الى أحد زعماء المجتمع الوطني انذاك وهو المرحوم خيرالله حسن افندي مبينآ أصابته بمرض عضال، ألا أن منظم التقرير لا يتمالك نفسه من أضافة عبارة أنه يأمل بمشيئة الله أن يقضي نحبه قريبآ!
ونظرآ للواقع الخاص الذي كان العراق يعيشه في تلك الحقبة وأثر أحداث الحرب العالمية الأولى ونزاع ولاية الموصل ومجريات معاهدة لوزان، فقد صنف البريطانيون المجتمع بين موال للبريطانيين وأولئك الذين لم يقبلوا بالأحتلال ووقفوا ضد المطامع البريطانية فجرت تسمية كل هؤلاء بمثيري الفتن والمحرضين على الشغب.).......... أنتهى الأقتباس.

أذن فالتهميش هو نصيب التركمان من بناء الدولة العراقية منذ البداية، وليس شيئآ طارئآ، وأن تصنيف البريطانيين للتركمان ضمن (الغير موالين) لم يكن يعني عدم الموالاة لهم فقط، بل كان يعني أو يراده منه أن يعني أيضآ عدم ولائهم للوليد البريطاني الجديد (العراق).

نرى لاحقآ كيف أن هذا التصنيف أستمر ملصوقآ بالتركمان، من قبل الأنظمة العراقية المتعاقبة، ولم تختلف بشيء يذكر في غضون العهود المختلفة التي مرت بالعراق، ولم يكن العهد الملكي بأفضل من العهود التي تلته.

فهناك قصة مثيرة يتناقلها الكثيرين عن موقف رئيس الوزراء العراقي في العهد الملكي، نوري سعيد، والذي لم يكن مجرد رئيس وزراء بل كان من مؤسسي العراق بعد الحرب العالمية الأولى، ودوره يشابه كثيرآ دور السياسيين العراقيين الجدد الذين دخلوا العراق بعد الحرب الأخيرة على دبابات أمريكية، وقد شارك في رسم مستقبل العراق انذاك كما يشارك سياسيوا اليوم في رسم مستقبله من جديد. فنوري سعيد الذي كان ضابطآ في الجيش العثماني ويتكلم التركية أفضل من اي تركماني في العراق ويعرف جيدآ واقع التركمان في العراق التاريخي منه والجغرافي والسياسي، نرى كيف يجيب على مقترح يقدم له حول تخصيص برامج باللغة التركمانية في أذاعة بغداد أسوة بالبرامج التي قررت الأذاعة بثها انذاك باللغة الكردية.
حيث يجيب نوري سعيد على أصحاب الطلب كما ينقل بهذه العبارة:
(ملاعين اتريدون أترجعونة العسمنلية.)

أذن رغم أن الدستور العراقي أو ما سمي بالقانون الأساسي الذي كتب بتاريخ 21 آذار 1925 نص صراحة على تساوي حقوق المواطنين العراقيين، ألا أن التطبيق كان دائمآ ينحو منحى التغييب بأتجاه التركمان.
فقد اكدت المادة السادسة من الدستور المذكور بأنه لافرق بين العراقيين في الحقوق امام القانون وأن اختلفوا في القومية والدين واللغة.

لقد كان قصاص الله عادلآ في نوري سعيد وغيره الكثيرين ممن خانوا دولة الخلافة التي ذهب بذهابها عزة الأسلام وكرامته، حيث كافأه العرب العراقيين الذي كان يخاف عليهم من عودة العثمانيين (كان المقصود بها عودة التركمان الى المسرح السياسي)، فلا نجد له اليوم حتى قبرآ شاهدآ عليه.

وفي العهد الجمهوري وبعد أسبوعين على قيام ثورة 14 تموز 1958 بقيادة عبدالكريم قاسم تم اعلان الدستور المؤقت للعراق والذي جاء في المادتين 2، 3 منه مايلي:

(يقوم الكيان العراقي على أساس من التعاون بين المواطنين كافة باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية.)

أذن الواجب المناط بالتركمان وغيرهم من الشعوب المسحوقة في العراق هو التعاون مع اصحاب العراق الشرعيين حسب هذا الدستور البغيض، الذي يرى في العراق عراقآ للعرب والأكراد.

لذلك يمكننا القول بأن كل ما جرى خلال العهد الجمهوري من بسط وشد بين الطرفين العربي والكردي، انما كان خلافآ بين شريكين! أذن أين موقعنا نحن من هذا الوطن الهلامي؟

وصار التغييب والتهميش على أشده في العهود التي تلت حكم عبدالكريم قاسم، والتي تربع عليها القوميون العرب، وأذاقوا التركمان الأمرين، حيث بلغ حقدهم وأستخفافهم بشعبنا أن فرضوا عليه بشتى الطرق التخلي عن هويته القومية لصالح القوميتين العربية أو الكردية. هكذا كان الشريكان يختلفان في كل شيء ألا في محو الهوية التركمانية، فهما متفقان عليه، ونرى اليوم حقيقة وواقع هذا الأتفاق، وكيف أن الأكراد والعرب الذين أخذوا دور نوري سعيد ورفاقه الذين وضعوا الأسس العرجاء للعراق في الماضي، كيف أنهم يضعون أسس العراق الأحدث اليوم وبنفس الطريقة والأسلوب.

فبعد السقوط المخزي للعراق تحت الأحتلال الأمريكي وبالتعاون مع شريكي الوطن من العرب والأكراد، وضعت اللائحة التأسيسية للعراق تحت عنوان قانون الأدارة للمرحلة الأنتقالية، والتي جاء فيها:

المادة التاسعة: (أن اللغتين العربية والكوردية هما اللغتان الرسميتان للعراق.....)

ولاحقآ تمت المصادقة على الدستور العراقي الدائم والذي جاء فيه أيضآ:

المادة الرابعة: (اولاً- اللغة العربية واللغة الكوردية هما اللغتان الرسميتان للعراق)

هذا فيما يخص الأطار القانوني، أما في الأطار التطبيقي المؤسساتي منه والسياسي فحدث ولا حرج، حتى وصل الأمر الى أن تعيين تركماني في منصب شكلي صار يكلف مليون بيان واستنكار وواسطة يتخللها تبويس اللحى طبعآ.

لم يكن الأمر مرتبطآ فقط برغبة الأكراد في تهميش الدور التركماني، لأن هذا التهميش وكما رأينا في بداية المقال أمر محسوم عربيآ وسابق على وصول الأكراد متأخرين الى موقع الأقتدار في أدارة شؤون العراق. واذا القينا نظرة الى مرحلة المعارضة العراقية لنظام صدام حسين والتي نشطت بعد حرب الخليج الثانية ووجدت طريقها الى مسامع العالم عبر المباركة الأمريكية، نجد أن وثيقة مشروع المرحلة الانتقالية التي أتفق عليها المعارضون تنص على ما يلي:

{ثانيا- المبادىء العامة التي تلتزم بها مؤسسات المرحلة الانتقالية: ز- شعب العراق يتكون من قوميتين رئيسيتين (العرب والأكراد)}.

يقول الأستاذ عزيز قادر صمانجي في كتابه الموسوم التاريخ السياسي لتركمان العراق، في الصفحة 252:

(أستبعد الحزب الوطني التركماني من التمثيل في لجنة العمل المشترك (لعم) التي تشكلت في دمشق في عام 1991 ، بعد مؤتمري بيروت والرياض من ممثلي قوى المعارضة العراقية، وذلك من جراء استخدام الحزب الشيوعي العراقي (الفيتو) ضد مشاركته...).

أذن مشاركة التركمان في مستقبل العراق من عدمه غير ذات مسألة، ويمكن لجهة أنتهازية لا علاقة لها بمصطلح الوطن أو الوطنية مثل الشيوعي العراقي أن يبت فيه. هذا هو حجم الدور المخصص للتركمان في العراق الذي يتباكى على وحدته شذاذ الأفاق ممن يظنون أن المشاركة في بناء مستقبل شعب مسحوق يكون عبر ترديد الشعارات الزائفة وكتابة الف مقالة صبيانية دفاعآ عن العلم العراقي (الذي هجر تحت بيارقه ابناء شعبنا وهدمت قراهم وأعدم خيرة ابنائهم)، والصاق تهمة الخيانة (خيانة شعاراتهم الطفولية) بالصوت الهادر للحق التركماني، الذي لا يساوم على الحقوق التاريخية والسياسية والجغرافية لشعبه.

اليوم وبعد أن ذهب صبر شعبنا الذي طال قرنآ من الزمن في مهب الرياح مع البنية الجديدة للعراق والذي جاء أدهى وأمر من البنية القديمة، على مثقفينا وسياسيينا أن يعرضوا الحقائق في الهواء الطلق وأن لا تأخذهم في ذلك لومة لائم، يجب أن يتوقف مسلسل الكذب واستغلال أمية شعبنا وعدم نضوج وعيه القومي، وتوظيف ذلك كله في خدمة القوميين من العرب السنة كما تقوم به الجبهة التركمانية العراقية اليوم، أو توظيفها على نفس المستوى لصالح الطائفيين من العرب الشيعة كما يقوم به الأتحاد الأسلامي لتركمان العراق، أو محاولة توظيفه لصالح الأكراد كما تقوم به بعض الأحزاب الكارتونية التي نستنكف عن ذكر أسمائها.

أن نظرة أغلب مثقفينا وخاصة في خارج العراق الى مسألة الوطنية ووحدة العراق تنعكس من الغيرة التي تنتابهم على وحدة تركيا، فهؤلاء يعارضون حتى بناء حلم تركماني في حق تقرير مصيره على جغرافيته التاريخية الممتدة من تلعفر الى مندلي، لأن تقرير المصير لشعبنا أو المطالبة بحقوقه الجغرافية تؤثر سلبآ في مزاج أشقائنا الأتراك، لذلك فعلى شعبنا أن يتحمل القهر والضيم والأستعباد من أجل سلامة تركيا.

فاذا كانت تركيا تخيب امالنا في كل مرحلة، ولا تتخذ ولو خطوة ملموسة من اجل مساعدة شعبنا على أسترداد حقوقه وأولها تثبيت حقوقه الجغرافية في تركمن ايلي، اذن فلتتركنا بسلام ليستطيع ابناء شعبنا أستخدام ما بوسعهم من اجل تحقيق ذلك.

وأذا كان العراق ومنذ نشأته يدير للتركمان ظهر المجن، ولا يعترف بابسط حقوقهم، فليذهب مثل هذا العراق الى الجحيم، وان كانت تعوزه رفسة ليستقر في ذلك الجحيم فلتكن الرفسة من قدم الشعب التركماني قبل غيره.

أن السبيل الوحيد لرفع التهميش عن كاهل شعبنا هو تركيز الجهود والأمكانيات المتوفرة والغير متوفرة من اجل تثبيت الحقوق الجغرافية والسياسية، والنضال من أجل تحقيق الحلم التركماني بقيام أقليم تركمن ايلي التي ستكون الضمان الوحيد لرفع المظالم وخطر التعريب والتكريد التي يقبع شعبنا تحت مخطاطتهما. ولأجل تحقيق ذلك هناك الف طريق وسبيل، ويجب أن لا توقفنا الشعارات الطفولية للبعض. فالغاية تبرر الوسيلة عندما يتعلق الأمر بمصير شعب كامل. علينا أن لا نترك أية فرصة لأستغلال الواقع العراقي المنهار من أجل تقوية مصالح شعبنا. فوحدة العراق قد تكون مهمة لنا في نهاية الأمر ولكن الحفاظ على هذه الوحدة ليست من واجبنا نحن، بل هي من واجب الشركيين الرئيسيين في طابو العراق كما تنص عليه الدساتير العراقية.

والله من وراء القصد

لا يسمح بالنقل أو الإقتباس دون ذكر المصدر

 

العودة الى الرئيسية

 

 

 

 

TURKMENTIMES.NET© 2011 • جميع الحقوق محفوظة