|
|
مستقبل التركمان في عصر الرهانات الخاسرة |
|
|
|
17. 10. 2007
|
كل المؤشرات المنبعثة من الساحة العراقية تشير الى أن نهاية الصراع الدائر هناك منذ ثلاث سنوات سينتهي بتجسيد الأهداف الأمريكية على أرض الواقع، شئنا أم ابينا. والأهداف الأمريكية من حربها الأخيرة ضد العراق باتت أكثر وضوحآ بعد أقرار قانون الأقاليم قبل أيام معدودة.
المسار السياسي للحملة الأمريكية وصل الى منعطف جديد، فبعد أن كان الهدف من الحرب هو القضاء على الخطر الذي كان يشكله النظام السابق لحيازته على أسلحة دمار شامل، والتي أثبتت خوائها بشهادة المنظمة الدولية والأمريكان أنفسهم، تركز الهدف بعدها بأتجاه محاربة الأرهاب.... وبعد أن تبين أن الحرب ضد العراق قد غذت الأرهاب بشكل واضح في المنطقة والعالم.... تحولت الحرب الى حرب من أجل أشاعة الديمقراطية في الشرق الأوسط أبتداءآ من العراق.... ولكن تبين غير بعيد أن وزارة الدفاع الأمريكية ليست بالجهة المناسبة لتصدير الديمقراطية الى العراق أو المنطقة، فتحولت الحرب الى حرب مساعدة العراقيين على الأستقرار وأعادة الأمن.
أذن الهدف الذي رست عليه أرادة الحرب الأمريكية في العراق أصبح اليوم مساعدة العراقيين على الأستقرار وأعادة الأمن!!
لنترك هذه النتيجة قليلآ ولنعد الى ما قبيل الحرب، حيث كان النظام سائدآ والأمن متوفرآ في العراق بالشكل الذي يناسب دولة متعددة الأعراق والطوائف وفي منطقة ملغومة كمنطقة الشرق الوسط (أي الأمن في ظل الأستبداد). والذي لم يستطع الأمريكان وحلفائهم من العراقيين من تطبيقها في العراق الجديد رغم كل ممارسات العنف والتدمير التي رافقت ولا زالت ترافق العمليتين السياسية والعسكرية هناك. أذن لماذا دوخ الأمريكان العالم وكذبوا عليه وشنو الحرب على العراق وأفقدوه الأمن والأستقرار؟ أليعيدوا اليه الأمن والأستقرار، اليس هذا شيئآ مضحكآ؟! وهل الأدارة الأمريكية بهذه الدرجة من الغباء كي تفسر بعد جهد الماء بالماء؟!
أن فكرة اعادة صدام حسين الى الحكم من جديد والتي أطلقها أحد السياسيين الأمريكان المتقاعدين، لم تكن بطبيعة الحيال خيارآ رسميآ للأدارة الأمريكية، ولكنها كانت دلالة واضحة على أن الأمريكيين من خارج الدائرة المقربة من الرئيس الأمريكي ورفاقه الصقور، ينظرون الى الوضع في العراق كما نراه نحن العراقيين، اي أن أمريكا متورطة في العراق! وللخروج من هذه الورطة عيلها عمل أي شيء حتى وأن كان أعادة صدام حسين الى الحكم. ولكن الواقع يدل على ان مثل هذه الأفتراضات ما هي ألا محض هراء في هراء، الأدراة الأمريكية ليست متورطة في العراق بل هي سائرة على قدم وساق نحو تحقيق أهدافها المرسومة بدقة متناهية. وهي ليست بحاجة الى أعادة صدام حسين الى الحكم لأستتباب الأمن من جديد، لأنها تستطيع أن تصنع من امثال صدام حسين بالدرازن وتفرضهم على الشعب العراقي وتخرج قواتها من العراق وقد تدلت على طرفي الجسر المعلق في بغداد أجساد كل السياسيين والبيادق التي نراها اليوم من على الشاشات في الحكومة وفي البرلمان وفي المعارضة أثر أنقلاب أحمر أو اسود، وليعود التلفزيون العراقي لنقل أخبار وخطابات وأنتصارات القائد الرمز الضرورة، الذي هزم الأحتلال وقضى على المتمردين والأنفصاليين والأرهابيين. هذا كله ضمن قدرة الأمريكان ويستطيعون تنفيذه من الغد أن شاءوا.
أذن مالذي تريده أمريكا حقآ من العراق؟ هذا هو المهم بالنسبة للتركمان أو من المفترض أن يكون ضمن أقصى أهتماماتهم.
الجواب على السؤال أعلاه يتكون من اربعة كلمات: الأمريكان يريدون تقسيم العراق. وتقسيم العراق هدف أمريكي ولكنه في نفس الوقت رغبة عراقية! كيف؟
الأكراد في شمال العراق يمثلون 20 % من السكان، والأرادة الكردية الفاعلة تبارك وتساند أي خطوة نحو تقسيم العراق حتى وأن اثار ذلك سخط دول الجوار وحشد مئات الالاف من قواتها على الحدود الشمالية. الشيعة يمثلون 60 % من مجموع السكان والأرادة الشيعية الفاعلة أقتنعت أخيرآ أو أقنعت، لا يهم، بأن تقسيم العراق هو أجدى وانفع لها، فهي تمتلك كل مقومات بناء الدولة القوية والغنية والتي قد لا تتوفر في معظم دول الخليج المرفهة هذا اليوم، والأهم من ذلك شيعيآ هو التخلص نهائيآ من عقدة الخوف من عودة طلائع بني أمية وعودة الشيعة الى ممارسة التقية ألف سنة أخرى.
أذن من الذي بقي خارج دائرة الراغبين في التقسيم؟ هناك 20 % من العراقيين نمثل نحن التركمان أقل من نصفهم، ويمثل العرب السنة الباقين منهم.
أصحاب مشروع التقسيم يمتلكون مختلف القدرات لتطبيق مشروعهم، وقد بدءوا بالفعل بتنفيذ الاليات. مالذي نملكه نحن أو يملكه العرب السنة لتطبيق رغبتهم في بقاء العراق موحدآ، أو مواجهة مشروع التقسيم الذي يسير جنيآ الى جنب مع الرغبة والهدف الأمريكيين؟
السياسيون الأكراد لديهم القوة العسكرية التي قد نتفاجئ يومآ ما بحجمها كما تفاجىء العرب بالقوة العسكرية الأسرائيلية في حرب 1948 ، ولديهم أسناد شعبي من الشارع الكردي لا يقل عن نسبة 95 % ، مضافآ اليها القوة العسكرية والأقتصادية والسياسية الأمريكية. السياسيون المساندون من الشيعة لمشروع التقسيم، لديهم تأييد مطلق من الشارع الشيعي، وهذا ما لمسناه في الأنتخابات، وهذا التأييد لا يأتي من ايمان الشارع بتلك القيادات الشيعية بقدر ما هو تغذية للمناعة المكتسبة من الحرب الأمريكية ضد السيطرة أو الأستبداد السني كما يراه الشارع الشيعي، وهذا ينطبق تمامآ على وضع الشارع الكردي الذي يرى في القيادات الكردية الحالية رغم كل سلبياتها ضمانة لتحقيق الحلم الكردي بدولة مستقلة، والخلاص نهائيآ من عقدة الخوف من عودة ضباط الأمن والأستخبارات العرب الى المدن الكردية. أضف الى ذلك تأييد ومساندة ايران أقتصاديآ وسياسيآ وعسكريآ أن تطلب الأمر للرغبة الشيعية في تقسيم العراق. فتقسيم العراق بالنسبة لأيران يعني الكثير، أنه يعني التفرد الأيراني في المنطقة، ويعني دولة شيعية ثانية في العالم ومجاورة لأيران، ويعني رضوخ الغرب للرغبة النووية الأيرانية والتعامل مع تلك الرغبة بسياسة الأحتواء بالطرق السلمية.
بقي الشطر الثاني من سؤالنا أعلاه بلا جواب لحد الأن.... مالذي نملكه نحن أو يملكه العرب السنة لأيقاف عجلة التقسيم؟
لنرى أولآ القدرات التي يملكها العرب السنة: أنهم لا يملكون الموقف الموحد، ولا يمتلكون القدرة العسكرية التي بات يمتلكها الشيعة والأكراد، والتأييد الدولي الضيق الذي يملكونه لا يتعدى التحذير الذي أطلقه العاهل الاردني من خطر الهلال الشيعي. حتى التأييد الرسمي الضعيف من بعض دول الخليج السنية التي مازالت تتذكر بمرارة أحتلال صدام حسين (السني) لدولة الكويت والحرب التي كبدتهم مليارات الدولارات، تأتي حذرة جدآ بسبب تورط بعض العرب السنة مع تنظيمات القاعدة التي تهدد أمن ومصالح دول الخليج عامة. أذن التأييد العربي أو غيره من دول العالم التي لا تأثير لها يذكر نراه يصطدم بموقف تلك الدول من الحرب العالمية ضد الأرهاب، والذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم القاعدة.
أن المكاسب السياسية الأخيرة التي حصل عليها العرب السنة أن صحت تسميتها بالمكاسب، من خلال المشاركة في العملية السياسية، أنما هي ثمار لمناورة بعض السياسيين السنة على حساب الحرب التي يقودها تنظيم القاعدة وبعض الفصائل العراقية ضد التواجد الأمريكي، لذا فأن فاعلية تنظيم القاعدة وفصائل المقاومة لا تضيف الى قدرات العرب السنة الشيء الكثير، بل هي في الحقيقة تعطي مسوغآ ومشروعية لتمرير مشروع التقسيم من قبل السياسيين الشيعة والسياسيين الأكراد. ولو أننا سألنا اي شيعي في المحافطات الجنوبية أن كان يفضل اقامة أقليم ( تخفيف لعملية الأنفصال) في جنوب العراق مع توفير الأمن والأزدهار والتخلص من الهجمات الأنتحارية، او انه يفضل أستمرار الوضع على ما هو عليه والتمسك بشعارات الوحدة الوطنية والعراق الواحد.... سيأتي الجواب بكل تأكيد مساندآ لفكرة أو مشروع اقامة اقليم الجنوب، أي الدولة الشيعية بعبارة أدق. أما في الحالة الكردية فالأمر لا يحتاج الى طرح مثل هذا السؤال، فالرغبة الكردية في الأنفصال سابقة حتى على قيام العراق كدولة بعد الحرب العالمية الأولى.
أذن العرب السنة لا يملكون اية مقومات فاعلة للوقوف بوجه مخطط التقسيم، ولكنهم يملكون وحدة الجغرافيا التي ستعينهم على أقامة دولتهم الخاصة بهم أذا ما صار موضوع التقسيم أمرآ واقعآ في يوم من الأيام.
بقي أن نعرف مالذي يمتلكه التركمان لأيقاف مشروع التقسيم، وما هي الرهانات التي يتشبثون بها.
في الحقيقة أن وضع التركمان أضعف بكثير من القدرة على القيام بمهمة أيقاف مشروع من مثل مشروع التقسيم الذي تتبناه قوى دولية على رأسها الولايات المتحدة واسرائيل، وتباركها جهات عراقية لا يمكن قياس أهمية الموقف التركماني بالنسبة لآهمية مواقفها. فالتركمان لا يملكون الوحدة الجغرافية، ولا يمتلكون اية قوة عسكرية او اقتصادية او غيرها، والأهم من كل ذلك أن القوى السياسية التركمانية لا تمتلك أي عمق جماهيري يعينها على الأقل في اخذ اي دور ولو حتى شبه رئيسي في المسرح السياسي العراقي. جل ما تملكه القوى السياسية التركمانية داخليآ هو النيات الطيبة التي تتوافق مع التوجهات الوطنية المساندة للوحدة والتي يرفع شعارها المهمشون والمغلوبون على أمرهم في العراق الجديد. والشيء الأخر الذي تملكه القوى السياسية التركمانية فيما يخص المناطق المتنازع عليها في الشمال العراقي، هو الخوف التاريخي لدى الشارع التركماني من أضطهاد كردي محتمل للتركمان في حالة قيام الدولة الكردية، والذي ينبني على وقائع تاريخية مؤلمة عانى منها التركمان خلال عهد عبدالكريم قاسم وتحديدآ أثناء مجازر كركوك في تموز 1959 ، هذا الخوف الذي وللأسف لم يعمل الأكراد على أزاحته من النفوس بعد الحرب الأخيرة، بل هم وقعوا في أخطاء كبيرة كانت نتيجتها أن نمى ذلك الخوف وعاد الى الأذهان ثانية.
أذن ما تمتلكه القوى السياسية التركمانية لا يتعدى مدى تأثيره أكثر من أشغال الطموح الكردي في ضم كركوك وبعض المناطق الأخرى ذات الغالبية التركمانية الى أقليم كردستان أو دولة كردستان في المستقبل المنظور. ولكن المشكلة التركمانية الفريدة في موضوع المعارضة هو عدم وجود جغرافية موحدة للتركمان تعينهم على بناء كيان خاص بهم في حالة نجاح أصحاب مشروع التقسيم ومن ضمنهم الأكراد طبعآ وخسارة المعارضين له والذين يقف التركمان الى جانبهم هذا اليوم. فنجاح مشروع التقسيم يعني ضم المناطق التركمانية الى أقليم كردستان أو دولة كردستان، الأمر الذي يعني أن يبدء التركمان متأخرين جدآ بالمطالبة بحقوقهم ضمن الدولة الكردية. والذي يعني أيضآ محاولة التركمان الحصول على مكتسبات ضمن دولة كانوا يعارضون قيامها حتى أخر لحظة.
أما ما يمتلكه التركمان من تأييد أو مساندة دولية فهو لا يتعدى حدود أنقرة، حتى أن القضية التركمانية ليست معروفة في دول اسيا الناطقة بالتركية. أما عن التأييد التركي فهو مشروط بمعارضة مشروع الأكراد في اقامة الدولة الكردية، ولم نلمس أي تأييد تركي في تثبيت الخصوصيات الجغرافية أو السياسية للتركمان ضمن العراق الجديد رغم الصلات القوية التي تربطها بالأدارة الأمريكية، بل أن تركيا لم تتخذ أية خطوة واضحة نحو تدويل القضية التركمانية حتى اليوم، وقد كان بامكانها فعل ذلك بعد حرب الخليج الثانية حين كان لها تأثيرآ قويآ على الأكراد في شمال العراق وعلى الغرب المناهض للنظام العراقي السابق، ولكنها لم تفعل اي شيء من ذاك. فمالذي تستطيع أن تفعله تركيا اليوم؟
تركيا لديها مشكلة واحدة لا غير! حزب العمال الكردستاني ( pkk )، وحل هذه المشكلة صار اليوم مقرونآ بمدى المرونة التي تبديها تركيا حيال رغبة أكراد العراق في أقامة دولتهم الخاصة بهم. ولا أدل على ذلك من سير التطور في الوضع الكردي في شمال العراق جنبآ الى جنب مع تطور الرغبة الأمريكية في مساعدة تركيا على حل مشكلة pkk ، حيث تزامن موعد تفعيل اللجنة الثلاثية ( العراق ـ تركيا ـ الولايات المتحدة ) لحل مشكلة حزب العمال الكردستاني مع أنطلاق أعمال لجنة تطبيع الأوضاع في كركوك.
أذن الأتراك في طريقهم لحل مشكلتهم الوحيدة ( pkk )، وبمساندة أمريكا وأكراد العراق. أذن الم يحن الوقت لينظر التركمان بحكمة وواقعية أكبر تجاه مشاكلهم التي تزداد تعقيدآ يومآ بعد يوم؟!
لدى التركمان اليوم ثلاث خيارات لا رابع لها، وقد لا تتوفر جميعها غدآ بين ايديهم: فأما أن يركزوا جهودهم نحو أقامة فدرالية أو حكم ذاتي خاص بالتركمان. أو ان يبدءوا بالمطالبة بتثبيت الحقوق التركمانية الجغرافية والسياسية ضمن كردستان، والتي يجب أن لا تكون باقل مما حصل عليه الأكراد من أمتيازات داخل عراق ما بعد صدام حسين. أو أن يبايعوا أمير المؤمنين أبو عمر البغدادي ويكونوا مواطنين في الدولة العربية الأسلامية.
|
لا يسمح بالنقل أو الإقتباس دون ذكر المصدر
العودة الى الرئيسية
|