|
بعد الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق، والتي أسقطت نظام صدام حسين، أصبح المشهد في العراق والمنطقة عمومآ يزداد ضبابية يومآ بعد يوم وسنة أثر أخرى. والشيء الوحيد الذي يبدو واضحآ هناك منذ سقوط بغداد هو تغلغل النفوذ الأيراني في العراق من جديد، وبعد أنقطاع دام منذ 1727 م تاريخ توقيع الصلح بين الدولتين العثمانية والصفوية. لم يشهد بعدها العراق أي تدخل واضح سوى ما كان في سبعينيات القرن المنصرم من قبل شاه ايران المخلوع لاحقآ، والذي حرك التمرد الكردي في شمال العراق في تلك الفترة، وهذا ما قضت عليه أتفاقية الجزائر التي وقعها العراق مع أيران في اذار 1975. وكذلك بروز الدور الكردي في العراق الجديد والذي كان قد أنتهى تمامآ منذ أتفاقية الجزائر المذكورة أعلاه.
عاد النفوذ الأيراني بعد الحرب الأخيرة بقوة واضحة، غذتها الأهداف المبهمة للحملة العسكرية الأمريكية في المنطقة، والتي لم تستبعد ايران من مسلسلها بعد.
النفوذ التركي في المنطقة عانى من الغياب الأختياري بعد سقوط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وقيام جمهورية تركيا الحديثة على يد مصطفى كمال اتاتورك، الذي كان ينظر ببصيرة ثاقبة الى ما ستؤول اليه أوضاع العالم، من توسع الهوة بين الشرق المتمثل بأيران والمنطقة العربية والغرب المتمثل بأوربا وبتفوق واضح لصالح الغرب، فكان أختياره للنموذج الأوربي لجمهورية تركيا شيئآ يقرب الى النبوءة السياسية.
كمال اتاتورك الذي وضع قاعدة أساسية للسياسة التركية لما بعد الحرب العالمية الأولى، تنص على جملة غاية في الأهمية يحفظّها الأتراك لأطفالهم في المدارس الأساسية، ألا وهي (سلام في الداخل، سلام في الخارج). وقد يكون التفسير الحرفي لنص وصية اتاتورك هذه ما أضاع على تركيا فرصة أستعادة ولاية الموصل أو جزءآ منها أثناء الحرب العالمية الثانية، والتي كانت مقرونة بدخول تركيا الى جانب الحلفاء ضد المانيا النازية في وقت مبكر، وحتى أستعادة جزيرة كريت الأستراتجية في البحر المتوسط والتي كان من المفترض أن تعود الى تركيا.
لم يكن أمتناع تركيا عن السماح للقوات الأمريكية من غزو العراق عبر أراضيها في الحرب الأخيرة أستمرارآ للنهج الأتاتوركي (سلام في الداخل، سلام في الخارج)، بل كان عودة قوية للنفوذ التركي الى المنطقة، عززتها المواقف الرسمية الغير متوقعة لتركيا تجاه التجاوزات الأسرائيلية على الفلسطينيين. ويبدو أن الموقف التركي الرافض للحرب الأمريكية على العراق بدء يثبت أصحيته من خلال النتائج الكارثية التي الت اليه تلك الحرب.
الصورة المرئية من السياسة التركية اليوم هي التشبث للحاق بالقطار الأوربي السريع، ولكن الجزء الغير مرئي من هذه السياسة هي أستعادة الدور المؤثر شرقوسطيآ. فالأتراك اقتنعوا أخيرآ أن الدخول الى أوربا لا يتم ألا عبر البوابة الشرقوسطية أو الأسلامية بالتحديد. فالأوربيون ومعهم الأمريكان باتوا يعولون أكثر يومآ بعد يوم على الدور التركي أسلاميآ وشرقوسطيآ، أي أن أهمية تركيا للغرب صارت تقاس عبر فاعلية تركيا شرقوسطيآ، لذا فنحن لا نسمع تصريحآ لمسؤول أوربي، وبغض النظر عن كونه مؤيدآ لأنضمام تركيا الى الأتحاد الأوربي أو لا، ألا ويؤكد على أهمية تركيا كبوابة لأوربا على الشرق الأوسط والعالم الأسلامي. أذن الأتراك يعودون الى المنطقة هذه المرة وبرغبة أوربية غربية.
بالنسبة الى دور تركيا في العراق، فأنه سيشهد تحولات كبيرة في الفترة القادمة. فالأمريكان الذين باتوا يتحينون الفرص للخروج من العراق، ليس في واردهم ترك هذه المنطقة الأستراتيجية لأيران. ولغياب أمكانية قيام حكومة عراقية قوية موالية للأمريكان تستطيع أن ترعى مصالحهم في المنطقة، ليس امامهم غير تركيا كحليف قوي ومضمون ولا تعوزه الخبرة لقراءة خرائط المنطقة السياسية منها والأقتصادية والأثنية.
الأكراد الذين كانوا يتأملون بأناطة هذا الدور اليهم، بدأو يدركون اليوم وقبلهم أدرك الأمريكان أيضآ، أن هذا التأمل لم يكن سوى محض خيال. فالأمريكان لا يملكون الوقت اللازم ولا القدرة حتى، على صناعة اسرائيل جديدة تستهلك أقتصادهم وتخلق لهم عداوات جديدة في المنطقة، قد يقضون أكثر من نصف قرن لفرض شرعيتها على شعوب المنطقة. والمثال الأسرائيلي خير دليل على فشل مثل هذه المحاولات، مع الأخذ بنظر الأعتبار الفرق الشاسع بين الأرتباط الروحي للغرب المسيحي مع اسرائيل، والذي يفتتح مأدباته بايات من الكتاب المقدس الذي يروج في أكثر من نصف محتوياته لدولة أسرائيل وشعب الله المختار، وبين الألتفاتة الغربية المتأخرة للمظالم الكردية، والتي لا تتعدى أن تكون تكتيكآ فرضته ظروف الحرب التي تقودها ضد الأرهاب العالمي.
بالنسبة للدور الكردي فأنه من المستبعد أن يعاني من حد قطع اليد الذي يجيده الأمريكان أكثر من المسلمين، كما حدث عدة مرات في تاريخ الثورات الكردية في المنطقة، والتي كانت تؤججها الدول الغربية، ثم تقيم عليها حد قطع اليد. ألا أن الدور الكردي سيعاني في المستقبل المنظور من عملية تقليم للأظافر، قد تضطر الأدارة الأمريكية على القيام بها مع أستمرار التدهور في أوضاع العراق، وذلك لأرضاء الحليف التركي، أو لأرضاء حكومة عراقية جديدة قد تفرضها الأوضاع المتأزمة على السياسة الأمريكية في وقت قريب.
لنعد الى المالكي وما سيحمله الى الأتراك في زيارته الرسمية الى أنقرة غدآ. فقد صرح الناطق الرسمي بأسم الحكومة العراقية الدكتور علي الدباغ قبل فترة لموقع أيلاف عن مهمة تلك الزيارة بما يلي: تأتي هذه الزيارة ضمن سعي الحكومة العراقية لعلاقات أفضل مع دول الجوار وتعزيز الروابط بما يحقق إستقرارا وتعاونا أفضل لمصلحة الشعب العراقي، سيتم الحديث عن العلاقات الإقتصادية الثنائية حيث تعتبر تركيا نقطة عبور مهمة لتجارة الترانزيت عبرها من والى العراق وايضا تعتبرا موردا هاما للبضائع والسلع والمحروقات التي يحتاجها العراق، سيتم الحديث أيضا عن الجانب الأمني ودور تركيا كبلد مهم في المنطقة لمساعدة العراق على ضبط الوضع الأمني وكذلك قرار العراق بحظر نشاط حزب العمال الكردستاني على الأراضي العراقية حيث يسعى العراق لعدم السماح بأي نشاط غير قانوني على أراضيه يمس دول المنطقة. سيتم الحديث عن موضوع المياه ورغبة العراق في اتفاق عادل لتقسيم المياه واعتبار ان العراق فيه حوضين لدجلة والفرات وان العراق يريد من تركيا تقاسم المعلومات الهيدرولوجية وخطط تركيا في تشغيل سدودها واستراتيجية المياه عندهم.
أذن كما نرى فأن المالكي ذاهب الى تركيا لبحث ثلاثة مواضيع غاية في الأهمية للحكومة العراقية، ألا وهي بالتسلسل حسب أهميتها: الجانب الأمني، وموضوع المياه، والعلاقات الأقتصادية المحاور الثلاثة المذكورة تقع ضمن ما تحتاجه الحكومة العراقية من الأتراك، فالجانب الأمني يأتي في مقدمة قائمة الضرورات العراقية الملحة. والدور التركي في هذا الجانب لا يتأتي من التأثير الفعلي للأتراك على الحالة الأمنية في العراق، بل يتأتي في تقديرنا من الدور الذي يمكن لتركيا أن تقوم به اذا ما اقتنعت بذلك!! فالأتراك لا يغذون أية أطراف مسلحة في داخل العراق، بل أن الطرف العراقي الذي يرتبط بعلاقات متميزة بتركيا (الجبهة التركمانية العراقية) موضوع تحت شرط تركي يتمثل بالألتزام بالنهج السياسي السلمي. أذن الأتراك ليس لديهم الكثير مما يستطيعون تقديمه انيآ لحل معضلة الأمن العراقية. يتأتي بعد المحور الأمني محور ذا أهمية أستثنائية للعراق، ألا وهو موضوع المياه، وللأطلاع على أهمية هذا الموضوع ننقل هنا بعض الحقائق الرسمية المهمة:
ففي 7 نوفمبر 2005 صرح وزير الموارد المائية العراقي عبد اللطيف جمال رشيد لجريدة الحياة بما يلي:
ـ إن منسوب المياه في نهر الفرات قد انخفض عند الحدود السورية من 28 بليون متر مكعب إلى 10- 12 بليون متر مكعب، بسبب بناء تركيا سدوداً وبحيرات زادت من طاقتها التخزينية إلى أكثر من 90 بليون متر مكعب، وكذلك سورية التي وصلت طاقتها التخزينية إلى أكثر من 14 بليون متر مكعب.
ـ هناك أكثر من 11 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، نصفها غير مستخدم، والثلثان منها يتطلبان توفير المياه، للمحافظة على إنتاجهما الزراعي، إضافة إلى أنها تستخدم لإنتاج الطاقة الكهربائية، وبحدود 20 في المئة من مجموع الطاقة المنتجة في العراق.
وقد صرح وزير الكهرباء العراقي كريم وحيد قبل فترة للحياة أيضآ: ـ ان وزارته ستبتعد خلال المرحلة المقبلة بناء محطات بخارية على نهر الفرات بسبب توقع خفض كبير في مناسيب مياهه نتيجة بناء سد كبير جنوب تركيا يؤثر على أداء المحطة المقامة على النهر، مع اعتماد بناء محطات تعمل بالغاز فقط في المحافظات المحاذية للفرات.
بالنسبة الى مؤسسة الاستشارات الدولية "برايس- ووترهاوس- كوبرز" فأنها ترى ان النزاعات ستزداد حدة بسبب نقص المياه الذي يتوقع ان يطال "قرابة الثلثين من سكان العالم في العام 2050". الى ذلك فأن المؤسسة المذكورة تعدد 11 منطقة في العالم تشكل موضع خلاف قابل لان يتحول الى نزاع، وتأتي على في مقدمة تلك المناطق حسب هذه المؤسسة:
ـ تركيا- سوريا- العراق بسبب السدود التركية التي بنيت فعلا او تدخل ضمن مشاريع مستقبلية لمياه نهري دجلة والفرات. على حد تعبير المؤسسة.
وقد يكون من المفيد أن نورد هنا ما قاله الرئيس التركي الأسبق سليمان دميرال في حفلة تدشين سد أتاتورك – أكبر السدود التركية – حيث ذكر ديميريل (ان ما يعود لتركيا من مجاري مياه الفرات ودجلة وروافدهما هو تركي، وإن في امكان تركيا أن تتصرف بها كما تشاء داخل حدودها، لأن مصادر المياه هي تركية، كما أن آبار النفط تعود ملكيتها الى العراق وسورية، انها مسألة سيادة، ان هذه أرضنا ولنا الحق في أن نفعل ما نريد. نحن لا نقول لسورية والعراق اننا نشاركهما مواردهما النفطية، ولا يحق لهما القول انهما يشاركاننا مواردنا المائية).
أذن يبدو واضحآ أهمية الدور المنسي للمياه في العلاقات التركية العراقية في خضم سيطرة الوضع الأمني المضطرب على الساحة العراقية.
ولكن مالذي يمكن أن تقدمه حكومة المالكي لتركيا؟! ليس هناك غير موضوع حزب العمال الكردستاني. والذي لا تملك حكومة المالكي الكثير لأغراء الحكومة التركية به. ولكن هناك جهة مختبئة تحت عباءة المالكي، يمكنها تقديم الكثير في مسألة حزب العمال الكردستاني، ألا وهي الأحزاب الكردية.
أذن نستطيع القول من هنا أن زيارة المالكي الى تركيا هي تمرير لمطالب كردية الى انقرة عبر سلة الحكومة العراقية. فالأكراد الذين أخطأوا كثيرآ في حساباتهم تجاه تركيا تحت أيحاء رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي الأكثر فشلآ بعد حرب فيتنام، يبحثون اليوم عن بوابة للخروج من أزمة العلاقة مع تركيا. هذه الأزمة قد تجاوزت حدود أقليم كردستان العراق لتتحول الى أزمة عراقية تركية، رأينا تطوراتها من خلال رفض الرئيس التركي أحمد نجدت سيزار أستضافة الرئيس العراقي جلال طالباني بسبب تصريحات الأخير أثناء زيارته الى أمريكا والتي فسرها الأتراك بالتهديد الصريح لوحدة وسلامة جمهورية تركيا. البوابة التي أختارها الأكراد لمصافحة الأتراك هي حكومة المالكي، أي بتعبير أدق عرقنة المطالب الكردية المطلوبة من تركيا. ولكن هل هذا المزج للمطالب سيلقى ترحيب الأتراك؟ أو هل أن الأتراك في موضع يمكن أن يفرض عليهم الأكراد عبر الحكومة العراقية مطالب معينة؟ الدور التركي الصاعد في المنطقة يقضي على مثل هذه الأفتراضات في الوقت الحاضر.
أذن كخلاصة لكل ما ذكرناه: أن الأيرانيين أستخدموا كل أوراقهم في العراق، والتي كانت أحدى أهم نتائجها صعود دور المقاومة العراقية، والتي فرضت على الأمريكيين اعادة النظر في تحييد الدور السني هناك، وهنا تناقضت المصالح الأيرانية مع حلفائها المفترضين (العرب الشيعة). ولكن هل أستخدمت تركيا كل أوراقها في العراق؟ سؤال ستتوضح أجابته في الفترة القليلة المقبلة.
الأكراد الذين صار انسحاب الأمريكان من العراق هاجسهم المخيف بعد الانتخابات الأمريكية الأخيرة، سيحولون سياستهم من التخلص من السيطرة العراقية عليهم الى سيطرة كردية على العراق، بحيث تبدو أية مواجهة تركية محتملة ضدهم الى مواجهة مع العراق. ولكن حالة العودة الى الحضيرة العراقية مرة اخرى لها ضريبتها التي يعرفها الأكراد جيدآ، فهل هم على أستعداد لدفع تلك الضريبة مقابل التخلص من الكابوس التركي المزعج لهم؟!
تركيا التي تعرف جيدآ أن منطق العلاقات الدبلوماسية ليس بالطريق الأقوم لأستعادة نفوذها المغيب عن المنطقة منذ ما يناهز القرن، ستستمر في أستراتيجيتها لربط المنطقة بها مائيآ، وهذا ما سنرى اهميته المتزايدة على المدى البعيد. فأيران الاسلامية التي وجدت نفسها ترث عمقآ ستراتيجيآ داخل العراق بسبب الأيحاء المذهبي، ودون أي مجهود منها، هل ستراقب يومآ ما قوافل مواليها ان صح التعبير وهي تتجه نحو أنقرة لتعرض الولاء مقابل الماء؟! هذا ما ستنكشف بدايات علائمه في زيارة المالكي غدآ الى أنقرة.
لا يسمح بالنقل أو الإقتباس دون ذكر المصدر
العودة الى الرئيسية |