طوزخورماتو ياقوتة تركمن ايلي وملح طعام شعبها

 

14. 10. 2006

 

لم تعاني منطقة من مناطق العراق من مسح الهوية والأضطهاد مثلما عانته مناطق تركمن ايلي. ولم تعاني شريحة من شرائح العراق الظلم على يد الحكومات العنصرية المتعاقبة في العراق مثلما عاناه الشعب التركماني العراقي.... نحن لا نزايد هنا أحدآ من أخوتنا العراقيين بهذا الكلام، ألا ان الضمير والتاريخ يريان من له بصيرة صدق قولنا هذا.... فأي شريحة عراقية منعت من التعليم بلغتها الأم؟! وأية شريحة أجبر ابنائها على تغيير قوميتهم وخيروا بين أن يكونوا عربآ أو كردآ؟! واية شريحة عراقية تم توطين مئات ألالاف على أرضها في الوقت الذي منع ابنائها من تسجيل بيت أو قطعة ارض بأسمائهم ألا أن يتنازلوا عن هويتهم القومية.
الشعب العراقي رغم قوة الأواصر التي تربط أبناءه ألا انه وعبر التاريخ كان هناك توزيع سكاني خاص تغطي جغرافيته من الشمال الى الجنوب، وهذا التوزيع في شمال العراق كان قوميآ حيث هناك في أقصى الشمال الأكراد والذين لم يسمحوا لأحد من بقية الشعوب العراقية بالسكن في مناطقهم ولم يسكنها احد الا وهو خاضع لشروطهم. وهناك العراق العربي الذي يمتد من جنوب تركمن ايلي وحتى أخر نقطة في جنوب العراق، والعراق العربي يتوزع فيه السكان على اساس المذهب وبشكل واضح، حيث المناطق من بغداد وبأتجاه الشمال يسكنها على الغالب العرب السنة، ومن جنوب بغداد وحتى الفاو يسكن في الغالب العرب الشيعة. وتفصل تركمن ايلي المنطقتين ذاتا الأغلبية الكردية في أقصى الشمال ومناطق العراق العربي وسط وجنوب العراق. اليوم يعيش في تركمن ايلي بالأضافة الى الشعب التركماني مجموعات من كل الفئات العراقية، القومية منها والمذهبية، والفضل في ذلك يعود الى فضائل وشمائل الشعب التركماني الذي كان وما يزال عبر تاريخه يضع العلاقات الأنسانية والأجتماعية فوق الروابط الأخرى.
هناك من يعتقدون أن التنوع الأثني والطائفي في تركمن ايلي يعود الى سياسة التعريب التي أتبعها وبشكل منظم جلاوزة البعث البائد، قد يكون هذا صحيحآ وفيه جزء من الحقيقة، الا أن الحقيقة الكبرى هي أن العراقي سواء كان كرديآ أو عربيآ او مسيحيآ كان منذ مئات السنين يرى في المنطقة ذات الأغلبية التركمانية والتي أستقر تسميتها اليوم بتركمن ايلي والتي تعني بلغتنا التركية المناطق التركمانية وليس شيء اخر، هذا الأنسان العراقي كان يجد في التركمان ومناطقهم خير مكان يئوي اليه من فاقة الحال وللتخلص من المشاكل الأجتماعية وخاصة العصبيات القبلية التي كانت ولا زالت بشكل وأخر تتحكم في اغلب مناطق العراق خارج تركمن ايلي، ويمكننا أن نشبه ما كان يجري في تلك الايام وبشكل عفوي، ما يجري اليوم من هجرة من مختلف أنحاء العالم الى دول غرب أوربا التي بات يفضلها المهاجرون على بلدانهم الأصلية.
التنوع المذهبي في تركمن ايلي دليل اخر على فضائل الشعب التركماني، حيث يتوزع التركمان تقريبآ مناصفة بين المذهبين السني والشيعي الأثني عشري. ولم يحدث ان عانت تركمن ايلي من أحتقانات طائفية في تاريخها، وهذا ما يجعلنا نوجه اصابع الأتهام فيما يحدث ضد ابناء تركمن ايلي من الشيعة الى أجهزة مخابراتية لجهات لها المصلحة في خلخلة الأوضاع في تركمن ايلي عمومآ وفي البيت التركماني خصوصآ.
فالشيعة التركمان يجب ان يثابوا على صبرهم كل تلك العقود لا ان يحاربوا بهذا الشكل العنصري المقيت، وهم الذين أضطهوا وعقوبوا على هويتهم القومية التي كانت ولا زالت سببآ كافيآ للملاحقة والتغريب عن الوطن، وهويتهم المذهبية التي اصبحت اليوم دليلآ كافيآ للتكفير من قبل بعض الجهات الضالة.
أصل كلمة طوز خورماتوا تأتي من دمج الكلمات طوز ـ و ـ خورما ـ و ـ توت، التي تعني الأولى منها الملح في اللغة التركية وتعني الثانية التمر في اللغة التركية، وهي مقتبسة من اللغة الفارسية قديمآ، ومازال سكان تركستان بالأضافة الى تركيا وأذربيجان وأتراك ايران يسمون التمر خورما الى حد هذا اليوم، والثالثة تعني بطبيعة الحال فاكهة التوت في اللهجة التركمانية العراقية، وهي ماخوذة عن العربية، فالتركمان العراقيون يسمون شجرة التوت (توت أغاجي) اي شجرة التوت. لذا فأن اصل تسمية طوز خورماتو هي (طوز+ خورما+ توت) وقد تم أختصار التاء الأخيرة لتسهيل اللفظ على ما يبدو.
وتأتي تسمية المدينة بطوز خورماتوا لأشتهار المدينة بأبار الملح فيها منذ مئات السنين، الأمر الذي يدحض أدعاء البعض عن أن كلمة طوز تعني القلعة في بعض اللغات المنقرضة، وكذلك بأشجار النخيل والتوت، حتى انها تشتهر بنوع فريد من التوت الأحمر.
وتمتاز طوزخورماتوا كذلك بالكهاريز، وهي قنوات نقل للمياه تحت الأرض حالها حال بقية مدن ومناطق تركمن ايلي، حيث أن هندسة الكهاريز هي أمتياز تركماني، تشتهر به اغلب المناطق التركمانية في يايجي وتركلان والكثير من المناطق التركمانية، وكانت مدينة كركوك من قبل تعتمد كليآ على هذه الكهاريز لنقل مياه الشرب والأرواء، وهذا دليل أضافي على تركمانية طوزخورماتوا وأصالة عراقيتها.
وتعتبر مدينة طوز خورماتو من المدن القديمة، وتمتاز بطابعها الحضاري التركماني العراقي، والذي تركته الأجيال العراقية المتعاقبة وخاصة التركمانية في تلك المدينة. وتشير الدلائل التاريخية إلى أن قدم هذه المدينة يرجع إلى أكثر من 4000 أربعة آلاف سنة، وقد كانت لفترة طويلة تحوي عددآ من الخانات لأستقبال المسافرين المتوجهين من شمال العراق الى مركزه في بغداد وبالعكس. ومازالت الى يومنا هذا تعتبر أهم محطة أستراحة للمسافرين بين بغداد وكركوك، وتنتشر فيها المطاعم والمحلات التي تقوم بخدمة المسافرين.
دأبت الأنظمة الحاكمة في العراق على تغيير الواقع القومي السكاني لمناطق ومدن وقرى تركمن ايلي، فكانت لطوز خورماتوا التي هي مركز لأهم واكبر قبيلة من قبائل التركمان في العراق ألا وهم البيات النصيب الأوفر من حملات تغيير الطابع الديموغرافي. فقد قام النظام البعثي بسلخ طوزخورماتو من محافظة كركوك والحاقها بمحافظة صلاح الدين، وكان الهدف من هذه العملية اللأنسانية هو ذو أتجاهين، الأول هو عزل مدينة كركوك عن عمقها الجغرافي والسكاني، وثانيها هو المضي قدمآ بتغريب أبناء قبيلة البيات عن قوميتهم، حيث أعتبرهم بعض الطارئين على كتابة التاريخ عربآ في الوقت الذي يمثلون هم فيه أهم قبائل الأوغوز، وما زال البيات ثالث أكبر القبائل التي يتشكل منها معظم الشعب التركمانستاني في جمهورية تركمانستان الى يومنا هذا الى جانب قبيلتي Teke و Ersarı.
أن قبيلة البيات التي تنتشر في معظم مناطق العراق تمثل روح الشعب التركماني وتعتبر من أهم القبائل على مستوى الكثافة السكانية والتوزع الجغرافي في عموم العراق. لذا فأن تغريب البيات عن تركمانيتهم هو كتسديد السهام الى قلب الشعب التركماني.
رغم كل تلك المآسي والويلات التي عانتها المدينة ورغم سياسة التعريب التي طالتها، الا أن ذلك كله لم يعني شيئآ لبعض الجهات العنصرية التي بدأت تمارس بحق هذه المدينة وأهلها من التركمان الأصلاء كل أنواع الترهيب والأخضاع، ومحاولة تغيير طابع المدينة التركماني، حيث لم يسلم حتى أسم نهر اقصو التاريخي والذي يعني (الماء الأبيض) من الأستهداف حيث بدأت تلك الجهات ألصاق أسم غريب على ذلك النهر. أن محاولات تغيير الهوية التركمانية لطوزخورماتوا تتماشا بموازات العمليات الأرهابية التي كان أخرها تفجير مقهى أقصو وتلتها جريمة تفجير مرقد الأمام ابراهيم السمين. ويبدو ان أسم اق صو صار يشكل هاجسآ لبعض الأطراف حتى انهم لا يتحملون رؤيته على يافطة مقهى!!
أن مدينة طوزخورماتو هي ياقوتة تركمن ايلي وملح طعام الشعب التركماني، لذا فمن يريدون سلخ هذه المدينة من واقعها التاريخي والجغرافي أنما يستهدفون خبز الشعب التركماني.
أن طوزخورماتو التي أنجبت الشاعر الكبير حسن كورم الذي قهر الظلم والظلام بنور بصيرته وبأبائه وكبريائه التركماني، لهي قادرة على قهر كل من يحاولون أجهاض حلم حسن كورم الذي ضل ينتظر بزوغ شمس التركمان من على أرض طوزخورماتو حتى يشع على وطننا العراق الغالي.

لا يسمح بالنقل أو الإقتباس دون ذكر المصدر

العودة الى الرئيسية